شهدت انتخابات السويد عام 2026 تحولاً سياسياً في ملف الهجرة، حيث خسر حزب ديمقراطيو السويد تأييده وعاد تيار يسار الوسط إلى السلطة. ومع ذلك، لا تزال سياسات الهجرة التقييدية التي طُبقت خلال السنوات الأربع السابقة سارية إلى حد كبير، مما يضع السويد في موقف صعب بين تغير الخطاب السياسي واستمرار إرث تشريعي صارم.
ارتدادات صناديق الاقتراع: هل ستغيّر السويد مسارها بشأن الهجرة؟

أولاً: ماذا حدث في الانتخابات السويدية لعام 2026؟
في 13 سبتمبر/أيلول 2026، توجه الشعب السويدي إلى صناديق الاقتراع في انتخابات عامة وُصفت على نطاق واسع بأنها استفتاء على سياسات الهجرة في البلاد. وقد أسفرت النتيجة عن تحول سياسي لافت: إذ حصد تحالف يسار الوسط، بقيادة الحزب الاشتراكي الديمقراطي برئاسة ماغدالينا أندرسون، أغلبية ضئيلة بلغت 176 مقعدًا مقابل 173، ليعود الاشتراكيون الديمقراطيون إلى السلطة بعد أربع سنوات من حكم حكومة يمين الوسط المدعومة من حزب ديمقراطيو السويد اليميني المتطرف.
لعلّ الأهم من تغيير الحكومة هو التراجع الانتخابي الذي مُني به حزب ديمقراطيو السويد. فقد شهد الحزب، الذي كان ثاني أكبر الأحزاب في البرلمان بعد انتخابات عام 2022، انخفاضًا في شعبيته من 20.5% إلى 17.5%، وهو أول تراجع له في انتخابات برلمانية منذ دخوله البرلمان السويدي (الريكسداغ) عام 2010. وتراجع إلى المركز الثالث خلف حزب المعتدلين. لم يكن هذا التراجع مجرد تقلب انتخابي عادي، بل عكس استياءً واسع النطاق من خطاب الحزب المعادي للمهاجرين، لا سيما في الضواحي متعددة الثقافات حيث ارتفعت نسبة إقبال الناخبين بشكل ملحوظ.
ثانياً: ما الذي تغير فعلياً في سياسة الهجرة؟
على الرغم من تغير موازين القوى السياسية، يرى المحللون أن سياسات الهجرة الصارمة التي سُنّت خلال السنوات الأربع الماضية قد ترسخت بعمق، ومن غير المرجح أن تُعكس، إذ إنها تتماشى مع اتجاه أوروبي أوسع نحو تشديد ضوابط الهجرة. وقبل سقوط الحكومة، كانت السويد قد نفّذت بالفعل سلسلة من الإجراءات غير المسبوقة.
- إلغاء الإقامة الدائمة: اعتبارًا من 12 يوليو 2026، لم يعد طالبو اللجوء مؤهلين للحصول على تصاريح إقامة دائمة؛ فقد أصبح نظام الإقامة مؤقتًا بطبيعته.
- تخفيض المساعدة القانونية: تم تقليص حق طالبي اللجوء في الحصول على مساعدة قانونية مجانية من التمثيل الكامل إلى ساعتين فقط من الاستشارة القانونية عند تقديم الطلب.
- برنامج "الهجرة العكسية": عرضت الحكومة السابقة على المهاجرين الحاصلين على تصاريح إقامة من خارج الاتحاد الأوروبي مبلغاً يصل إلى 350 ألف كرونة سويدية (ما يعادل تقريباً 37 ألف جنيه إسترليني) لمغادرة البلاد طواعية. وقد رافق هذا البرنامج حملات إعلانية مثيرة للجدل، شملت إعلانات في وسائل النقل العام موجهة إلى الجالية الصومالية بلغة استفزازية.
- انخفاض حاد في طلبات اللجوء: انخفضت طلبات اللجوء في السويد بنسبة 96% مقارنةً بذروة عام 2015، حين استقبلت البلاد 163 ألف طالب لجوء، وهو ثاني أعلى معدل للفرد في أوروبا في ذلك العام. وتوقعت مصلحة الهجرة السويدية انخفاضًا إضافيًا في عدد الطلبات، ليصل إلى حوالي 4200 طلب في عام 2026 و3700 طلب في عام 2027.
ثالثاً: الأثر على المهاجرين واللاجئين
في حين أن التحول السياسي قد يشير إلى تحسن محدود في الخطاب، إلا أن التأثير الفعلي على حياة المهاجرين واللاجئين لا يزال معقداً:
1. خطاب سياسي أقل عدائية
من المتوقع أن تتراجع حدة الخطاب المعادي للأجانب الذي اتسمت به الحكومة السابقة. ومن غير المرجح أن تُستكمل الإصلاحات التي بدأت، مثل تقييد الحصول على الجنسية. وقد تتغير أيضاً ممارسات الترحيل المتشددة نسبياً. هذا التحول في الخطاب - حتى وإن كان رمزياً جزئياً - له أثر نفسي عميق على مجتمعات المهاجرين التي عانت لسنوات من الشعور بالاستهداف.
2. استمرار القيود الهيكلية
على الرغم من التغيير السياسي، لا تزال القوانين التقييدية التي سُنّت خلال السنوات الأربع الماضية سارية المفعول، إذ أصبحت جزءًا من الإطار التشريعي السويدي. ونتيجةً لذلك، قد لا يتغير الأثر الملموس على حياة اللاجئين - من حيث الإقامة والتجنيس والمساعدة الاجتماعية - بشكل جذري على المدى القريب.
3. مشهد منقسم سياسياً بشأن الهجرة
تسعى أحزاب اليسار، والخضر، والوسط إلى تخفيف القيود، بينما يطالب ديمقراطيو السويد بإجراءات أكثر صرامة. هذا الانقسام يعني أن أي تغيير جوهري في السياسة سيتطلب توافقاً برلمانياً معقداً، لا سيما في ظل الأغلبية الضئيلة للكتلة اليسارية.
4. الأثر النفسي على مجتمعات المهاجرين
في ضواحي مثل رينكبي في ستوكهولم، احتفل السكان بتراجع حزب ديمقراطيو السويد، معتبرين ذلك دليلاً على فشل "استفزاز الغضب". ومع ذلك، فقد تركت الإجراءات المتخذة بالفعل - من إلغاء الإقامة الدائمة إلى برامج المغادرة المدفوعة - أثراً عميقاً على الشعور بالأمان والانتماء.
رابعاً: السويد في السياق الأوروبي الأوسع
ما حدث في السويد ليس بمعزل عن موجة أوسع تجتاح أوروبا. ففي الانتخابات الهولندية، حقق خيرت فيلدرز - المعروف بخطابه المعادي للإسلام - مكاسب كبيرة. وفي ألمانيا، حصد حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) نحو 44% من الأصوات في انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت. وقد دفع هذا الصعود لليمين المتطرف العديد من الحكومات الأوروبية إلى تبني سياسات هجرة ولجوء أكثر تقييدًا، بما في ذلك ما وصفه المحللون بـ"إجماع ناشئ" حول الردع وإعادة المهاجرين غير الشرعيين.
في هذا السياق، قد تمثل السويد مفارقة أوروبية: مجتمع يرفض اليمين المتطرف في صناديق الاقتراع ولكنه يجد نفسه مقيدًا بإرث تشريعي صارم وإجماع أوروبي متزايد على سياسات الهجرة الصارمة.
خاتمة
لم تُعِد الانتخابات السويدية لعام 2026 سياسات الانفتاح التي ميزت البلاد لعقود، لكنها أوقفت - ولو مؤقتًا - التوجه نحو فرض المزيد من القيود. ويكمن التحدي الحقيقي الآن ليس فقط في تغيير القوانين، بل أيضًا في إعادة بناء الثقة مع المجتمعات التي شعرت بالاستهداف، وفي اختبار ما إذا كان التحول السياسي قادرًا على ترجمة الخطابات إلى سياسات فعلية تُعيد للسويد صورتها كمجتمع متعدد الثقافات، أو ما إذا كان الإرث التشريعي الصارم سيستمر بعد زوال الحكومات نفسها.
مسرد المصطلحات الرئيسية
| شرط | تعريف |
|---|---|
| البرلمان | البرلمان السويدي |
| حزب ديمقراطيو السويد (SD) | حزب سياسي يميني متطرف ذو جذور نازية جديدة |
| ائتلاف تيدو | الائتلاف الحاكم المنتمي ليمين الوسط والمدعوم من الحزب الاشتراكي الديمقراطي |
| الهجرة العكسية / الهجرة العكسية | سياسة تشجع المهاجرين على العودة إلى بلدانهم الأصلية |
| تصريح إقامة دائمة | تصريح يسمح بالإقامة لأجل غير مسمى؛ تم إلغاؤه بالنسبة للاجئين في عام 2026 |
| توجيه الحماية المؤقتة | آلية الاتحاد الأوروبي التي تمنح الحماية المؤقتة للنازحين |
ارتدادات صناديق الاقتراع: هل ستغيّر السويد مسارها بشأن الهجرة؟
اشترك في نشرتنا الإخبارية
ابقَ على اطلاع دائم بآخر أخبارنا وعروضنا
Thank you for subscribing to the newsletter.
Oops. Something went wrong. Please try again later.











