لم يكن عودة أصالة نصري إلى دمشق مجرد حفل موسيقي، بل تحول إلى نقطة اشتعال في صراع سوريا على الحرية الثقافية، والمحافظة الدينية، وهوية الدولة ما بعد الأسد. فبينما احتفل الآلاف بعودتها، سعت حملة موازية إلى تحدي الموسيقى والتعبير الثقافي العام، كاشفةً عن معركة أعمق حول ماهية سوريا...
معركة روح سوريا: عندما يتحول حفل موسيقي إلى حرب ثقافية

مقدمة: مسرح وساحة معركة
في ليلة من ليالي سبتمبر عام ٢٠٢٦، انطفأت الأنوار في قاعة الفيحاء الرياضية بدمشق، وصدح صوتٌ غاب عن المسارح السورية لخمسة عشر عامًا. عادت أصالة نصري، إحدى أشهر مطربات العالم العربي، والتي كانت رمزًا للمقاومة الثقافية ضد نظام الأسد المخلوع لخمسة عشر عامًا، إلى وطنها. بكى آلاف المعجبين، ولوّحوا بالأعلام السورية، ورددوا الأغاني. ولكن حتى مع عزف الموسيقى، كانت معركة أخرى تدور رحاها خارج القاعة: صراعٌ ضارٍ على جوهر سوريا ما بعد الأسد، لا يُخاض بالأسلحة، بل بالفتاوى والخطب والملصقات الممزقة.
كان حفل أصالة أكثر بكثير من مجرد حدث فني. لقد أصبح أول اختبار رئيسي لحدود الحرية الثقافية في بلد يخرج من نصف قرن من الديكتاتورية، كاشفاً عن فجوة متفاقمة بين أولئك الذين يحلمون بسوريا متعددة ومنفتحة وأولئك الذين يسعون إلى فرض رؤية جامدة وإقصائية لمستقبلها.
الحفل الموسيقي: انتصار واستفزاز
كان لعودة أصالة نصري دلالات رمزية عميقة. فقد كانت من أوائل الفنانين السوريين الذين دعموا الاحتجاجات السلمية المناهضة للأسد عام 2011، ورفضت المشاركة في الفعاليات الحكومية. ونتيجةً لهذا الموقف، طُردت من نقابة الفنانين السوريين وتعرضت لحملات إعلامية شرسة. لجأت إلى المنفى، حيث أقامت في القاهرة وقدمت عروضًا في أنحاء العالم العربي، بينما انزلقت بلادها إلى حرب أهلية دامت 13 عامًا وأودت بحياة أكثر من نصف مليون شخص.
لم يكن عودتها مجرد حفل موسيقي، بل كانت بمثابة إعلان عن الذات. ضمّ ألبومها الجديد "الألبوم السوري" أغاني فولكلورية من جميع محافظات سوريا الأربع عشرة، بما فيها الساحل العلوي والسويداء ذات الأغلبية الدرزية، وكلاهما عانت من ويلات العنف الطائفي. وصفها وزير الثقافة محمد ياسين صالح بـ"ابنة دمشق" وانضم إليها على المسرح، معلناً أن عودتها هي عودة "كل سوري شريف وكل إنسان حر". وقد تم التبرع بنصف عائدات الحفل للأعمال الخيرية.
بالنسبة للكثيرين، مثّلت تلك الأمسية النهضة الثقافية التي وعدت بها السلطات السورية الجديدة. رعت الوزارة هذا الحدث، ونفدت التذاكر في غضون ساعات، وبُثّ العرض على نطاق واسع. وكما صرّحت أصالة بنفسها من على خشبة المسرح: "لن يتحقق التعافي إلا بالفن والموسيقى".
الحملة المضادة: "ألغوا الحفلات الموسيقية الآثمة"“
لكن حتى قبل أن تُعزف النوتة الأولى، كانت حملة موازية تكتسب زخمًا. فقد أطلق الداعية المصري هاني دهب، المقيم في سوريا، حملة على مواقع التواصل الاجتماعي تحت شعار "أوقفوا الحفلات الآثمة". واتهم وزارة الثقافة بالسعي إلى "إضفاء طابع علماني على المجتمع". في المقابل، أدان الداعية السلفي السوري عبد الرزاق المهدي ما وصفه بـ"حفل موسيقي وفجور"، بينما دعت مجموعة من دعاة دمشق وزير الثقافة إلى احترام "الهوية الدينية للمجتمع".
لم تقتصر الحملة على الخطابات فحسب، بل مزّقت ملصقات الحفل في شوارع دمشق. واستهدفت خطب الجمعة في مساجد العاصمة الحفل ووزير الثقافة شخصيًا، ووصف بعض الأئمة الحدث بأنه جزء من هجوم أوسع على القيم الدينية. أما علماء الدين والشيوخ الذين التزموا الصمت في ظل قمع الأسد، فقد رفعوا أصواتهم مطالبين ليس فقط بحقّ إبداء الرأي، بل بحقّ الاعتراض على الشؤون العامة.
أمة منقسمة: خطوط الصدع في "سوريا الجديدة"“
أثارت الجدلية المحيطة بحفل أصالة سؤالاً جوهرياً: من يملك ثقافة سوريا الجديدة؟
من جهة، وقف أولئك الذين رأوا في الحفل بمثابة خطوة طال انتظارها نحو المصالحة الوطنية. قالت سوسن وضحى، وهي من رواد الحفل وتبلغ من العمر 56 عامًا: "لم أتخيل يومًا أن يأتي هذا اليوم. إنه أشبه بحلم جميل". وأضافت لين نحاس، البالغة من العمر 40 عامًا: "نحن سعداء للغاية لأن بلدنا يتقدم". بالنسبة لهؤلاء السوريين، كانت القدرة على التجمع في قاعة عامة، والغناء، والبكاء، والاحتفال دون خوف، بمثابة انتصار على الطغيان الذي أسكتهم لعقود.
في المقابل، وقف تحالفٌ من القوى الدينية المحافظة - دعاة سلفيون، وخطباء مساجد، ونشطاء إسلاميون - الذين لم يروا في الحفل تحرراً، بل فساداً أخلاقياً. زعموا أن العروض الموسيقية العامة تنتهك المبادئ الإسلامية، وأن الدولة يجب أن تعكس "الهوية الدينية" لمجتمع ذي أغلبية مسلمة. لم تقتصر حملتهم على أصالة فحسب، بل استهدفت "جميع الفعاليات الموسيقية في أنحاء البلاد" بدعوى أنها "تتعارض مع القيم الدينية".
لا يقتصر هذا الانقسام على الموسيقى فحسب، بل يعكس صراعًا أعمق حول طبيعة الدولة السورية نفسها: هل ستكون مدنية وتعددية وعلمانية التوجه، أم ستتشكل وفقًا لإطار ديني يقيد التعبير الثقافي العام؟ لقد أوضحت قضية أصالة أن سقوط نظام الأسد لم يحل هذه المسألة، بل أثارها من جديد.
ما وراء الحفل الموسيقي: مشهد ثقافي في حالة تغير مستمر
إن المعركة الدائرة حول حفل أصالة ليست سوى أبرز نقطة توتر في صراع أوسع نطاقاً حول مستقبل سوريا الثقافي.
منذ سقوط النظام، شهدت سوريا نهضة ثقافية حقيقية. أعيد افتتاح المتحف الوطني في دمشق، وعُرض فيلم وثائقي عن سجن صيدنايا في دار الأوبرا، وقدمت الأوركسترا السيمفونية السورية عرضًا موسيقيًا لأول مرة منذ سنوات، وعاد معرض دمشق الدولي للكتاب بمشاركة أكثر من 500 دار نشر و100 ألف عنوان من 35 دولة. وتم الاعتراف باللغة الكردية، التي كانت محظورة سابقًا، كلغة وطنية، واحتُفل بعيد النوروز علنًا في دمشق لأول مرة في التاريخ الحديث. ورحبت نقابة الفنانين السوريين بعودة أصالة، معتبرةً إياها انعكاسًا لـ"بدايات جديدة في المشهد الثقافي للبلاد".
لكن هذه النهضة هشة. يشير الفنانون إلى مفارقة: تراجعت الرقابة الأمنية الصريحة التي كانت سائدة في عهد الأسد، لكن ظهرت أشكال جديدة من الضغوط، كالعقبات البيروقراطية، والحاجة إلى تصاريح رسمية، وتصاعد موجة التشدد الديني التي تسعى إلى فرض رقابة على الحياة الثقافية. نفت وزارة الثقافة تعليق عرض مسرحية للأخوين مالاس، لكن الحادثة أثارت مخاوف من أن يُقابل النقد السياسي للسلطات الجديدة بقمعٍ صامت. واجه الفنانون التشكيليون ردود فعل عنيفة لعرضهم لوحات عارية، وتلقى بعض الطلاب تهديدات، بل وحصلوا على درجات صفرية لمخالفتهم الأعراف الدينية. أُلغي حفل موسيقي للملحن الشهير مالك جندلي، وأُفيد بحظر رسم العراة في بعض المؤسسات التعليمية.
الصراع من أجل المستقبل
والسؤال الآن هو ما إذا كان القطاع الثقافي في سوريا قادراً على النمو والازدهار في ظل هذه الظروف، أم أن المد المتصاعد للمحافظة الدينية سيخنق الانفتاح الهش الذي أعقب سقوط الأسد.
ثمة أسباب تدعو إلى التفاؤل الحذر. فقد استثمرت الحكومة الجديدة في البنية التحتية الثقافية، ووقّعت اتفاقيات لتطوير برامج ثقافية في المناطق الريفية ودعم أنشطة الأطفال والشباب. كما أُعلن عن إنشاء مدينة "بوابة دمشق" للإنتاج الإعلامي والفني، بتكلفة مليار و1.5 مليار دولار، برعاية رئاسية. وأكدت وزارة الثقافة التزامها بـ"استعادة دور سوريا الريادي على الصعيدين العربي والدولي في الثقافة".
لكن ثمة أسباب تدعو للقلق البالغ. فالمجال الثقافي لا يزال يفتقر إلى إطار سياسي متماسك. وكما ورد في أحد التحليلات، تعيش سوريا حالة من "الثقافة السائلة" - ثقافة بلا ثوابت، سريعة التغير، تفتقر إلى الأطر التنظيمية، وتخضع لمنطق اللحظة بدلاً من رؤية طويلة الأمد. وقد وُصف وزير الثقافة نفسه بأنه غير متأكد من دوره، يتأرجح بين كونه شخصية بارزة على مواقع التواصل الاجتماعي، وخطيباً دينياً، وناشطاً مدنياً، دون أن يواجه بجدية السؤال الجوهري: ما هي الثقافة، وما هو دور الدولة فيها؟
الخلاصة: ثقافة على حافة الهاوية
لم يكن حفل أصالة نصري مجرد حفل موسيقي، بل كان مرآة تعكس واقع مجتمع ما زال يكافح لتحديد هويته. ففي هتافات آلاف المعجبين وغضب من سعوا لإسكاتها، رأى السوريون مستقبلين محتملين: أحدهما تكون فيه الثقافة منفعة عامة مشتركة، متاحة للجميع، تحميها الدولة وتغذيها التنوع؛ والآخر تكون فيه الثقافة ساحة معركة، تخضع لرقابة السلطة الدينية، ومقتصرة على من يمتثلون لها.
لم ينتهِ الصراع على مسرح أصالة بعد. لكن غناءها، ووقوف الآلاف معها، يُشير إلى أن الرغبة في حياة ثقافية حرة متأصلة في المجتمع السوري. وسيتحدد مصير الربيع الثقافي السوري، هل سيستمر أم سيبقى مجرد لحظة عابرة جميلة قبل أن تعود الغيوم، ما إذا كان بالإمكان ترجمة هذه الرغبة إلى مؤسسات راسخة، محمية بالقانون ومدعومة بالسياسات. والإجابة، كما هو الحال دائمًا في سوريا، تبقى غير مؤكدة، لكن الموسيقى، في الوقت الراهن، لا تزال تُعزف.
اشترك في نشرتنا الإخبارية
ابقَ على اطلاع دائم بآخر أخبارنا وعروضنا
Thank you for subscribing to the newsletter.
Oops. Something went wrong. Please try again later.











