سوريا بعد الأسد: أمة يُعاد نسجها — المجتمع والطبقات والصراع من أجل هوية جديدة

سوريا بعد الأسد: أمة أعيد بناؤها - المجتمع والطبقة والنضال من أجل هوية جديدة (مقتطف)

مقدمة: صباح اليوم التالي للسقوط

عندما فرّ بشار الأسد من دمشق في ديسمبر/كانون الأول 2024، استيقظ السوريون على بلدٍ تحرّر من حربٍ دامت 14 عامًا، أودت بحياة ما لا يقل عن 400 ألف شخص، وشرّدت 13 مليونًا آخرين. إلا أن سقوط دكتاتور لا يعني ميلاد أمة. فبعد مرور عام، لا تعيد سوريا بناء مجتمعها، بل تعيد التفاوض بشأنه. لقد أطلق انهيار النظام القديم العنان لقوى كانت مكبوتة، لكنها لم تُحَلّ قط: انقسامات طائفية، واستياء طبقي، وولاءات إقليمية، ورؤى متضاربة لما ينبغي أن تعنيه "سوريا". والنتيجة ليست انتقالًا سلسًا، بل إعادة نسج مضطربة لنسيج اجتماعي مزّقته عقود من الاستبداد والحرب.

الأزمة المجتمعية: التشرذم وانعدام الثقة

إن الأزمة الأكثر إلحاحاً ليست سياسية، بل هي تآكل التماسك الاجتماعي نفسه. فقد وجدت دراسة أجريت عام 2026 حول التماسك الاجتماعي أن الهوية الوطنية، مع احتفاظها بأهميتها العاطفية، "لم تعد بمثابة ركيزة عملية". وباتت الثقة والتضامن تعملان "على مستوى الأسرة والقبيلة والمجتمع المحلي المباشر". وفي مناطق مثل إدلب والرقة ودير الزور، التي تشكلت بفعل النزوح وانعدام الأمن، وصف بعض المشاركين شعورهم "كغرباء في مجتمعاتهم".

لا يقتصر هذا التشرذم على الجانب النفسي فحسب، بل هو مدفوعٌ باليأس المادي. يعيش نحو أربعة من كل خمسة سوريين تحت خط الفقر، ويحتاج 15.6 مليون شخص إلى مساعدات إنسانية. ويُعتبر الفقر والبطالة "المحرك الرئيسي للتوتر الاجتماعي"، مما يُؤجج الصراع بين المجتمعات النازحة والمضيفة المتنافسة على المساعدات والوظائف والموارد. وقد أصبحت العلاقة بين المواطنين والسلطات "مُقايضة"، إذ يُحركها الحصول على الخدمات، لا الثقة أو الشرعية.

العنف الطائفي: الجرح الذي لم يلتئم

لم يُنهِ سقوط الأسد العنف الطائفي، بل كشف عن حقيقته. ففي مارس/آذار 2025، شهدت محافظتا اللاذقية وطرطوس الساحليتان، معقل الأقلية العلوية، موجة عنف أودت بحياة أكثر من 1300 شخص في أربعة أيام، بينهم 873 مدنياً. وقد نددت الأمم المتحدة بـ"الإعدامات بإجراءات موجزة على أساس طائفي" التي نفذتها عناصر من النظام القديم والسلطات الجديدة على حد سواء.

في الجنوب، أسفرت اشتباكات مسلحة بين المجتمعات الدرزية وقبائل بدوية في السويداء وضواحي دمشق خلال شهور أبريل ومايو ويوليو من عام 2025 عن مقتل ما بين 400 و600 شخص وتشريد نحو 2000 عائلة. ويحكم الدروز، الذين يمثلون نحو 31 مليار نسمة من السكان، أنفسهم إلى حد كبير منذ انتفاضتهم ضد الأسد عام 2023، ويشير استطلاع أجرته وكالة إيتانا إلى أن أكثر من 90 مليار نسمة غير راضين عن حقوقهم وأمنهم وحرياتهم، بينما يعتبر 98 مليار نسمة الحكومة غير ممثلة لهم وتفتقر إلى الشفافية.

البنية الطبقية الجديدة: الرابحون والخاسرون وظهور نخبة جديدة

لم يؤدِ سقوط الأسد إلى زوال الطبقة الاجتماعية، بل أعاد تشكيلها. فقد استُبدلت بنية السلطة القديمة التي يهيمن عليها العلويون، والتي احتكرت السلطة لستة عقود، بنخبة جديدة مُستمدة في الغالب من المجتمعات السنية الريفية، ولا سيما محافظة إدلب، معقل هيئة تحرير الشام.

لقد جلبت هذه الطبقة الجديدة معها توترات اجتماعية خاصة بها. وصف تاجر الذهب محمود رضوان، من إدلب، تعرضه للصراخ والمواجهة من قبل أصحاب المحلات في دمشق الذين رفضوا معاملة السيارات ذات اللوحات الدمشقية معاملةً مماثلة. وقد رافق ظهور هذه النخبة الجديدة منافسة مع الشركات والمجتمعات القائمة، لا سيما في دمشق وحلب، مما أدى إلى ارتفاع الإيجارات. عُرض محل مساحته سبعة أمتار مربعة في سوق الحريرة مقابل 2500 ليرة تركية شهريًا، وهو مبلغ باهظ بالنظر إلى أن متوسط الدخل الشهري في سوريا يتراوح بين 60 و90 ليرة تركية.

في غضون ذلك، تم تفكيك الجهاز البيروقراطي القديم. وتم تسريح نحو 300 ألف موظف حكومي بحجة مكافحة المحسوبية، في إجراء وُصف بأنه "أكثر خطط التقشف جذرية شهدها العالم في السنوات الأخيرة". وقد حلّت بيروقراطية جديدة وجهاز أمني جديد، مُستمدّان من مناطق كانت خاضعة لسيطرة المتمردين، محلّ أعضاء الطائفة العلوية الذين كانوا يشغلون مناصب في الدولة.

رؤى متباينة: "التحرر" مقابل "السقوط"“

برز انقسام حاد بين السوريين الذين يشيرون إلى "تحرير سوريا" وأولئك الذين يتحدثون عن "سقوط الأسد"، وهو انقسام لغوي يعكس تباينات أعمق في دعم القيادة الجديدة. ففي أوساط الطائفتين الدرزية والعلوية، وكذلك الفصائل في جنوب سوريا وقوات سوريا الديمقراطية ذات الأغلبية الكردية، "لا تُطرح تنازلات سياسية طويلة الأمد ولا بناء تحالفات تتجاوز قاعدة شمع الإسلامي".

أظهر استطلاع رأي نقلته إذاعة فرنسا أن 801% من السوريين يؤيدون السلطة الجديدة، وهو رقم يعزى بالدرجة الأولى إلى العرب السنة، الذين عانوا من القمع لفترة طويلة في ظل حكم الأسد. لكن الاستطلاع نفسه أشار إلى أن "العنف الطائفي، وغياب العدالة الانتقالية، وروح الانتقام" تُؤجّج التوترات التي يكافح الرئيس الشرع لاحتوائها.

شكل المجتمع الجديد: المركزية مقابل اللامركزية

يتشكل المجتمع السوري الناشئ بفعل توتر جوهري: سعي الحكومة الجديدة إلى مركزة السلطة في مقابل مطالب السكان المحليين بمشاركة فعّالة. ويعد "السلام غير الليبرالي" الذي تتبناه إدارة الشرع بتحقيق استقرار دون تغيير جذري، متجاهلاً "الحقوق، والعدالة الانتقالية الشاملة، والمشاركة الفعّالة، والإدماج الحقيقي".

أدى هذا النهج إلى خروج السويداء إلى حد كبير عن سيطرة الحكومة، وسط دعوات إلى تقرير المصير وتكرار أعمال العنف. وفي الشمال الشرقي، أعادت عملية عسكرية في يناير/كانون الثاني 2026 مناطق واسعة كانت خاضعة لقوات سوريا الديمقراطية إلى سيطرة الحكومة، مع اتفاق على دمجها تدريجياً في مؤسسات الدولة. إلا أن الدمج وفق شروط الدولة لا يعني بالضرورة الإدماج وفق شروط المجتمعات المحلية.

ثمة حاجة ماسة إلى عقد اجتماعي جديد، عقد يعترف بسوريا كـ"بلد متعدد اللغات والثقافات والهويات"، حيث لا يُنظر إلى التنوع على أنه "عيب بنيوي، بل مصدر ثراء وقوة". والسؤال المطروح، كما ورد في أحد التحليلات السورية، هو: هل ستستمر سوريا الجديدة في "إعادة إنتاج مركزية تستبعد المهمشين والفئات الصغيرة، أم ستبني دولة حديثة تقبل الاختلاف وتديره"؟.

المجتمع

الشرق الأوسط → المجتمع

الخلاصة: مجتمع على حافة الهاوية

سوريا ما بعد الأسد ليست مجتمعًا ما بعد الصراع، بل هي مجتمعٌ يخوض حربًا ثانيةً أكثر هدوءًا: حربٌ تدور حول هوية الدولة التي ستُصبح عليها. انهارت التسلسلات الهرمية القديمة، لكن تسلسلاتٍ جديدةً تتشكل، وهي بدورها تحمل في طياتها إقصاءاتٍ خاصة. كشف العنف الطائفي عن هشاشة التعايش. وجعل الدمار الاقتصادي البقاء على قيد الحياة هو القضية الاجتماعية الأساسية. وقد أدى تركيز النخبة الجديدة للسلطة إلى نفور المجتمعات التي هي في أمسّ الحاجة إلى ثقتها.

ستحدد السنوات القادمة ما إذا كانت سوريا ستعيد بناء نفسها لتصبح أمة متعددة وشاملة، أم أن سقوط نظام استبدادي سيؤدي ببساطة إلى ظهور نظام آخر. ويبقى دور المجتمع الدولي، في الوقت الراهن، خارجياً إلى حد كبير. أما العمل الحقيقي فيقع على عاتق السوريين أنفسهم: العمل الشاق وغير الجذاب لبناء الثقة عبر خطوط الطائفة والطبقة والمنطقة، وصياغة عقد اجتماعي لا يمكن لأي فئة بمفردها أن تتبناه.

veracity papers

أوراق التحقق

اشترك في نشرتنا الإخبارية

ابقَ على اطلاع دائم بآخر أخبارنا وعروضنا

Thank you for subscribing to the newsletter.

Oops. Something went wrong. Please try again later.

ماذا تقرأ بعد ذلك...

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *