المواضيع:

اجتماع أبوظبي وتداعياته الإقليمية

ملخص تنفيذي: في 27 سبتمبر/أيلول 2026، قام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بزيارة غير معلنة إلى أبو ظبي، حيث التقى رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان. وقد أكد مسؤولون إسرائيليون وإماراتيون الزيارة. إلا أن التقارير التي نشرتها وسائل الإعلام الإسرائيلية والتي زعمت عقد اجتماع أوسع نطاقاً ضم مسؤولين من السعودية والأردن ودول إقليمية أخرى، نفتها السلطات السعودية والأردنية فوراً وبشكل قاطع. وردت وزارة الخارجية الإيرانية بتحذير شديد اللهجة للإمارات ودول إقليمية أخرى بشأن "العواقب الخطيرة" لتسهيل الوجود الإسرائيلي "المزعزع للاستقرار". تتناول هذه الدراسة الأدلة المتاحة، والروايات المتضاربة، والآثار الاستراتيجية لهذه التطورات. كما تميز بين الحقائق المؤكدة، والادعاءات المتنازع عليها، والتقييمات التحليلية، وتضع هذه الأحداث في سياق أوسع لمنطقة لا تزال تتأثر بحرب فبراير/شباط 2026 مع إيران، والحصار البحري الذي يفرضه الحوثيون، والقضية الفلسطينية العالقة. النتائج الرئيسية: 1. مقدمة: زيارة في ظل نظام إقليمي مجزأ. لم تكن زيارة نتنياهو في 27 سبتمبر/أيلول هي الأولى له إلى الإمارات العربية المتحدة. ففي مارس/آذار 2026، أفادت التقارير بأنه التقى بالشيخ محمد في مدينة العين، قرب الحدود العمانية؛ وقد أكدت إسرائيل تلك الزيارة في مايو/أيار، بينما نفتها الإمارات. وكانت زيارة سبتمبر/أيلول ذات أهمية لسبب مختلف: فقد كانت المرة الأولى التي تؤكد فيها الحكومتان علنًا زيارة نتنياهو إلى أبو ظبي. ومع ذلك، فإن الأهمية الإقليمية للزيارة لا تكمن في الاجتماع الثنائي نفسه - الذي يتوافق مع إطار اتفاقيات أبراهام القائمة - بقدر ما تكمن في الخلاف القائم...

ملخص تنفيذي

في 27 سبتمبر/أيلول 2026، قام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بزيارة غير معلنة إلى أبوظبي، حيث التقى رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان. وقد أكد مسؤولون إسرائيليون وإماراتيون الزيارة. إلا أن التقارير التي نشرتها وسائل الإعلام الإسرائيلية والتي زعمت عقد اجتماع أوسع نطاقاً ضم مسؤولين من السعودية والأردن ودول إقليمية أخرى، نفتها السلطات السعودية والأردنية فوراً وبشكل قاطع. وردت وزارة الخارجية الإيرانية بتحذير شديد اللهجة للإمارات ودول إقليمية أخرى بشأن "العواقب الخطيرة" لتسهيل الوجود الإسرائيلي "المزعزع للاستقرار".“

تتناول هذه الدراسة الأدلة المتاحة، والروايات المتضاربة، والآثار الاستراتيجية لهذه التطورات. وهي تميز بين الحقائق المؤكدة، والادعاءات المتنازع عليها، والتقييمات التحليلية، وتضع هذه الأحداث في سياق أوسع لمنطقة لا تزال تتأثر بحرب فبراير 2026 مع إيران، والحصار البحري الذي فرضه الحوثيون، والقضية الفلسطينية العالقة.

النتائج الرئيسية:

  • أكدت حكومتا نتنياهو والإمارات العربية المتحدة عقد الاجتماع الثنائي. وتركز جدول الأعمال، كما هو معلن رسمياً، على العلاقات الثنائية والتحديات الإقليمية.
  • لا تزال التقارير التي تتحدث عن اجتماع أوسع نطاقاً يضم السعودية والأردن ودولاً أخرى غير مؤكدة. وقد أصدرت السعودية والأردن بيانين رسميين ينفيان فيهما هذه التقارير. ولم تؤكد أي دولة مشاركة حضورها.
  • تم تصميم تحذير إيران لاستغلال الفجوة بين المزاعم الإسرائيلية والنفي العربي، مما يشير إلى اليقظة مع تجنب المواجهة المباشرة مع دول محددة.
  • تعكس هذه الحادثة نمطاً أوسع من "المشاركة القابلة للإنكار" حيث تتعاون دول المنطقة في مجال الأمن مع الحفاظ على مسافة علنية من إسرائيل.

1. مقدمة: زيارة في نظام إقليمي مجزأ

لم تكن زيارة نتنياهو في 27 سبتمبر/أيلول هي الأولى له إلى الإمارات. ففي مارس/آذار 2026، أفادت التقارير بأنه التقى بالشيخ محمد في مدينة العين، قرب الحدود العمانية؛ وقد أكدت إسرائيل تلك الزيارة في مايو/أيار، لكن الإمارات نفتها.. كانت زيارة سبتمبر مهمة لسبب مختلف: فقد كانت المرة الأولى التي تؤكد فيها الحكومتان علنًا قيام نتنياهو بزيارة إلى أبو ظبي.

إلا أن الأهمية الإقليمية للزيارة لا تكمن في الاجتماع الثنائي نفسه - الذي يتماشى مع إطار اتفاقيات أبراهام القائمة - بقدر ما تكمن في التقارير المتنازع عليها التي ظهرت في أعقابه. هذه التقارير، التي زعمت وجود تجمع إقليمي أوسع، حوّلت لقاءً دبلوماسياً روتينياً إلى اختبار لحدود التعاون الأمني العربي الإسرائيلي.

تزامنت هذه الأحداث مع حالة من عدم الاستقرار الإقليمي العميق. فقد أعادت حرب فبراير 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران تشكيل حسابات الأمن في جميع أنحاء الشرق الأوسط. ورغم تراجع البرنامج النووي الإيراني بشكل ملحوظ، إلا أن شبكة وكلائه ظلت سليمة، وقدرتها على الرد غير المتكافئ - التي تجلت في الهجمات الصاروخية على الأردن في سبتمبر 2026 - لم تتضاءل. في غضون ذلك، سيطر الحوثيون في اليمن على ساحل البحر الأحمر اليمني، بما في ذلك مضيق باب المندب، وفرضوا حصارًا على الملاحة السعودية. وقد أدت هذه التطورات إلى تقارب المصالح الأمنية بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والأردن، في حين ظل الرأي العام في الدول العربية معادياً لإسرائيل بشكل كبير.

2. الاجتماع المؤكد: ما نعرفه

2.1 البيانات الرسمية

ذكرت وكالة أنباء الإمارات الرسمية (وام) أن الشيخ محمد "استقبل" نتنياهو وأن الزعيمين "ناقشا العلاقات الثنائية وسبل تعزيزها وتطويرها".“. أكد مكتب نتنياهو الزيارة، موضحاً أن المحادثات ركزت على "تعزيز العلاقات الثنائية والتحديات الإقليمية"، مشيراً إلى أن الوفد الإسرائيلي ضم رئيس مجلس الأمن القومي شموئيل بن عزرا، ومدير الموساد رومان جوفمان، ووزير الدفاع غاي ماركيزانو، والمستشار السياسي أوفير فالك..

2.2 سياق الزيارة

وجاءت هذه الزيارة عقب الاجتماع الأول لدول اتفاقيات إبراهيم منذ أكثر من ثلاث سنوات ونصف، والذي عُقد على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في 25 سبتمبر 2026.. وجاء ذلك وسط جدل داخلي في إسرائيل حول تقرير نشرته صحيفة هآرتس يزعم أن الشيخ محمد قد حذر نتنياهو من هجوم حماس المقرر في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 قبل نحو عشرة أيام من وقوعه. وقد نفى نتنياهو التقرير وهدد باتخاذ إجراءات قانونية.. بحسب تقارير متعددة، سعى نتنياهو إلى الحصول على نفي علني من الرئيس الإماراتي خلال اجتماع أبو ظبي، وهو طلب، في حال الموافقة عليه، ستكون له تداعيات سياسية داخلية كبيرة على رئيس الوزراء الإسرائيلي قبل انتخابات 27 أكتوبر..

3. الادعاءات المتنازع عليها: الاجتماع الأوسع المزعوم

3.1 تقارير وسائل الإعلام الإسرائيلية

أفادت وسائل الإعلام الإسرائيلية، ولا سيما موقع "واي نت" والقناة 14، بأن زيارة أبو ظبي تضمنت اجتماعاً أوسع مع مسؤولين من دول إقليمية متعددة.

  • Ynet أفادت التقارير أن نتنياهو التقى بمسؤولين من السعودية والأردن والمغرب، وأن المناقشات تركزت على إيران والحوثيين، حيث عرضت إسرائيل تقديم المساعدة في مجال الدفاع الجوي..
  • القناة 14, نقلاً عن مصدر إماراتي لم يُكشف عن اسمه، زعمت مصادر أن اجتماعاً عُقد على مرحلتين: جلسة ثنائية بين نتنياهو والشيخ محمد، أعقبها اجتماع موسع ضم ممثلين عن الولايات المتحدة والسعودية والمغرب ومصر والكويت والبحرين وليبيا وعُمان وإسرائيل والإمارات. وتضمن جدول الأعمال المُعلن عنه تعزيز التعاون الأمني والاستخباراتي، وإنشاء إطار دفاعي إقليمي لمواجهة "التهديدات المشتركة"، ووضع خطط عملياتية بشأن إيران والحوثيين في اليمن، وتقديم الدعم الاستخباراتي للرياض، وتقييم طرق نقل النفط التي تتجاوز مضيق هرمز..

3.2 الإنكار

أصدرت المملكة العربية السعودية والأردن بيانات رسمية تنفي بشكل قاطع.

  • صرح مسؤول سعودي رفيع المستوى لوكالة رويترز بأن التقارير التي تتحدث عن اجتماع بين مسؤولين سعوديين وإسرائيليين "غير صحيحة".“. وقال المسؤول نفسه لوكالة فرانس برس: "لا اجتماعات رسمية. لا محادثات. لا شيء على الإطلاق. موقفنا من إسرائيل لم يتغير".“.
  • نقلت قناة المملكة الأردنية عن مصدر أردني مطلع رفض مزاعم مشاركة أردنية، واصفاً التقارير بأنها "مفبركة ولا أساس لها من الصحة"، ومؤكداً أنها رُوّج لها لأغراض "المزايدة الانتخابية" بعد أن واجه نتنياهو تجاهلاً دبلوماسياً في الأمم المتحدة..
  • لم تؤكد أي دولة أخرى ورد ذكرها في تقرير القناة 14 - بما في ذلك الولايات المتحدة ومصر والمغرب والكويت والبحرين وليبيا وعُمان - حضورها أي اجتماع من هذا القبيل.

3.3 بيانات الرحلة والأدلة الظرفية

نشرت صحيفة طهران تايمز تقريراً استند إلى بيانات تتبع رحلات جوية مفتوحة المصدر، يُظهر وصول سلسلة من الطائرات إلى مطار البطين التنفيذي في أبوظبي في غضون دقائق من وصول طائرة نتنياهو. وشملت هذه الطائرات طائرة تابعة للحكومة القطرية، وطائرة نقل عسكرية من طراز C-130 تابعة للقوات الجوية المغربية، وطائرة تابعة لعائلة القائد الليبي خليفة حفتر، وطائرة مملوكة لشركة إماراتية كانت قد أقلّت ركاباً في الرياض.. على الرغم من أن هذه البيانات تشير إلى وصول منسق، إلا أنها لا تُعدّ دليلاً على اجتماع رسمي، ولا يزال الغرض من هذه الرحلات غير مؤكد. قد تكون الطائرات موجودة لأسباب أخرى، وقد يكون التوقيت مصادفة.

4. موقف إيران: تحذير مدروس

4.1 البيان الرسمي

أصدرت وزارة الخارجية الإيرانية بياناً في 29 سبتمبر/أيلول تدين فيه الزيارة وتحذر من "عواقب وخيمة". ووصف البيان نتنياهو بأنه "رئيس وزراء الكيان الصهيوني قاتل الأطفال ومثير الحروب"، وقال إن وجود "مجرم ملطخة يداه بدماء مئات الآلاف من الأبرياء، ويخضع للمحاكمة أمام المحاكم الدولية، أمر بالغ الخطورة ومثير للقلق".“.

لم تكن الرسالة الأساسية للبيان موجهة إلى إسرائيل، بل إلى الحكومات الإقليمية: "الأمن الإقليمي مسألة جماعية لا تتجزأ، وأي خطوة تسهل دخول الجهات الفاعلة المزعزعة للاستقرار إلى المنطقة ستضر في نهاية المطاف بجميع دول المنطقة وتؤدي إلى مزيد من الانقسام وانعدام الأمن وعدم الاستقرار في غرب آسيا".“.

4.2 المنطق الاستراتيجي

يعكس رد إيران تقييماً استراتيجياً متماسكاً:

أولاً, سعت إيران إلى استغلال الفجوة بين الرواية الإسرائيلية والنفي العربي. فمن خلال إصدار تحذير عام بدلاً من تسمية دول محددة، سمحت إيران للسعودية والأردن بالحفاظ على إمكانية الإنكار المعقول، في حين أشارت إلى أن طهران تراقب الوضع عن كثب.

ثانية, سعت إيران إلى رفع تكلفة التعاون الأمني السري مع إسرائيل. وكان التحذير من أن أي دولة تسمح باستخدام أراضيها "كمنصة لأعمال زعزعة الاستقرار ضد دول أخرى" بمثابة رادع، يُذكّر دول الخليج بأن تعاونها الأمني مع إسرائيل قد يُثير ردًا إيرانيًا..

ثالث, لقد وضعت إيران نفسها كمدافعة عن السيادة الإقليمية ضد التدخل الخارجي - وهي رواية مصممة لتلقى صدى لدى الجماهير العربية، حتى عندما تتعاون حكوماتهم بهدوء مع إسرائيل.

4.3 حسابات إيران الأوسع

يجب فهم رد فعل إيران في سياق موقفها الضعيف بعد حرب 2026. فقد ألحق الصراع أضرارًا جسيمة بالبنية التحتية النووية الإيرانية وقدراتها العسكرية. وصرح الرئيس ترامب علنًا بأنه لا يعلم ما إذا كانت إيران ستستسلم أم لا، مضيفًا أن وضعها "سيئ للغاية".“. ومع ذلك، احتفظت إيران بشبكتها من الوكلاء وقدرتها على تهديد البنية التحتية للطاقة في الخليج. ولذلك، كان التحذير الموجه إلى الإمارات بمثابة تذكير بأن قدرة إيران على الرد غير المتكافئ لا تزال قائمة.

تجدر الإشارة إلى أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى بنظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان في 25 سبتمبر/أيلول، أي قبل يومين فقط من زيارة أبو ظبي، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وتركز الاجتماع على مضيق هرمز وآليات الأمن الإقليمي، حيث أكد عراقجي عزم إيران على تعزيز الثقة من خلال "آليات أمنية قائمة على التفاعل بين دول المنطقة". ويشير هذا إلى أن إيران كانت تسعى في الوقت نفسه إلى خفض التصعيد مع السعودية، وفي الوقت نفسه تحذر الإمارات العربية المتحدة من انخراطها مع إسرائيل، وهو نهج مزدوج يتماشى مع استراتيجية إيران الإقليمية الأوسع.

5. المعضلة السعودية الأردنية

تكشف النفي القاطع من جانب السعودية والأردن عن توتر جوهري في موقعهما الاستراتيجي.

من جهة, تتفق المؤسسات الأمنية في الأردن وإسرائيل مع تقييم إسرائيل للتهديد الإيراني. وقد استُهدفت الأردن بشكل مباشر بهجمات صاروخية إيرانية، ففي سبتمبر/أيلول 2026 وحده، اعترضت الدفاعات الجوية الأردنية 18 صاروخًا باليستيًا من أصل 20 أُطلقت من الأراضي الإيرانية. كما تعتمد الأردن على إسرائيل في إمدادات المياه والغاز الحيوية، واستمر التعاون الأمني بينهما رغم تجميد العلاقات السياسية.. إن المملكة العربية السعودية، التي تواجه حصاراً من الحوثيين يهدد صادراتها النفطية، لديها مصلحة مباشرة في التعاون الأمني البحري.

على الجانب الآخر, لا يزال الرأي العام في كلا البلدين معادياً لإسرائيل بشكل كبير، لا سيما في ظل الحرب في غزة، حيث تجاوز عدد القتلى الفلسطينيين 74 ألفاً.. إن أي اعتراف بالتعاون الأمني مع حكومة نتنياهو سيكون بمثابة انفجار سياسي.

يبدو أن الاستراتيجية السعودية والأردنية هي إحدى استراتيجيات المشاركة القابلة للإنكارالمشاركة في التنسيق الأمني عند الضرورة مع الحفاظ على مسافة رسمية. إن عبور طائرة نتنياهو، بحسب التقارير، المجال الجوي السعودي والأردني في طريقها إلى أبو ظبي، يؤكد هذا التعاون الخفي، رغم نفي الحكومتين عقد أي اجتماع. وكما أشار أحد التحليلات، "يسلط هذا التعاون العملياتي الصامت الضوء على الفجوة الهيكلية بين الخطاب الدبلوماسي العلني في العواصم العربية والخدمات اللوجستية العسكرية الخاصة".“.

لطالما أكدت المملكة العربية السعودية أنها لن تطبع العلاقات مع إسرائيل دون وجود مسار واضح لإقامة دولة فلسطينية.. هذا الموقف لا يزال قائماً، وينبغي فهم النفي في هذا السياق: المملكة العربية السعودية ليست مستعدة للتخلي علناً عن شروطها للتطبيع، حتى لو استمر التعاون الأمني الهادئ.

6. السياق الإقليمي الأوسع

6.1 تهديد الحوثيين والأمن البحري

أدى سيطرة الحوثيين على ساحل البحر الأحمر اليمني ومضيق باب المندب إلى أزمة أمنية بحرية جديدة. وقد صرّح الحوثيون بأن حصارهم يستهدف السعودية وحلفاءها تحديداً، وتعهدوا بعدم استهداف السفن الأوروبية. إلا أن التهديد الأوسع نطاقاً الذي يواجه خطوط الملاحة، والتي يمر عبرها جزء كبير من تجارة النفط العالمية، قد لفت انتباه المجتمع الدولي. وتعكس المناقشات التي جرت في أبو ظبي حول طرق بديلة لنقل النفط تتجاوز مضيق هرمز إدراكاً متزايداً بأن البنية التحتية الإقليمية للطاقة تواجه نقاط ضعف متعددة في نقاط الاختناق.

6.2 اتفاقيات أبراهام بعد الحرب

أثبتت اتفاقيات أبراهام مرونتها رغم حرب غزة. وقد أظهر اجتماع دول الاتفاقيات في نيويورك في 25 سبتمبر/أيلول - وهو الأول منذ أكثر من ثلاث سنوات ونصف - أن إطار التطبيع قد صمد أمام الصراع.. ومع ذلك، لم تشهد الاتفاقيات توسعاً ملحوظاً منذ عام 2020؛ إذ انضمت إليها كازاخستان فقط، بينما لا تزال السعودية خارج إطارها. وتُعدّ الفجوة بين بقاء الاتفاقيات مؤسسياً وتوسعها السياسي سمةً بارزةً للمشهد الإقليمي الراهن.

6.3 البعد الإسرائيلي الداخلي

جاءت زيارة نتنياهو مدفوعة جزئيًا بضغوط سياسية داخلية ملحة. إذ تواجه إسرائيل انتخابات في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، وهي الأولى منذ هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. وتشير استطلاعات الرأي إلى منافسة حامية، حيث يتعادل حزب الليكود الذي يتزعمه نتنياهو مع قوى المعارضة. ولا يزال رئيس الوزراء متورطًا في محاكمات فساد جارية، ويواجه تدقيقًا بشأن إخفاقات استخباراتية تتعلق بهجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول.. حققت زيارة أبوظبي أهدافاً متعددة: إظهار النفوذ الدبلوماسي، والسعي إلى نفي علني للتحذير الذي صدر قبل السابع من أكتوبر، وإبراز القيادة قبل الانتخابات. ويبقى من غير الواضح ما إذا كانت قد حققت هذه الأهداف.

7. النتائج المتوقعة

7.1 قصير الأجل (6-12 شهرًا)

  • استمرار التعاون القابل للإنكار. من المرجح أن تستمر السعودية والأردن ودول إقليمية أخرى في التنسيق الأمني مع إسرائيل والولايات المتحدة مع استمرار النفي العلني. وقد يصبح نموذج "القمة الوهمية" - حيث يتم التعاون دون اعتراف رسمي - هو القاعدة في المسائل الأمنية الحساسة.
  • حملة الضغط الإيرانية. ستواصل إيران تحذير دول المنطقة من استضافة الوجود الإسرائيلي. وقد تُفعّل قواتٍ بالوكالة لإظهار نفوذها، لا سيما في اليمن والعراق وسوريا، مع أنها ستُرجّح على الأرجح ضبط تحركاتها لتجنب إشعال مواجهة أوسع.
  • حسابات نتنياهو الانتخابية. قد يُفيد التسريب نتنياهو محلياً بتصويره كزعيم إقليمي، لكنه أضرّ بالثقة مع الشركاء العرب الذين تعرضوا للتدقيق العام. إذا فاز نتنياهو في انتخابات أكتوبر، فقد تُحافظ الدول العربية على موقفها الحالي من التعاون الهادئ. أما إذا خسر، كما يبدو أن المسؤولين الأردنيين يتوقعون، فقد تُتاح فرصة لانخراط سياسي مُتجدد..

7.2 المدى المتوسط (1-3 سنوات)

  • إضفاء الطابع المؤسسي على بنية الأمن. قد يتطور التعاون في مجال الدفاع الجوي الذي نوقش في أبوظبي، بحسب التقارير، إلى إطار إقليمي أكثر رسمية، ربما تحت تنسيق القيادة المركزية الأمريكية. وقد يشمل ذلك أنظمة إنذار مبكر مشتركة وتبادل المعلومات الاستخباراتية، استناداً إلى التعاون الثنائي القائم بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة.
  • التكيف الاستراتيجي الإيراني. في مواجهة تحالف إقليمي متكامل، قد تُسرّع إيران برنامجها النووي كرادع أخير، أو قد تسعى إلى اتفاق شامل مع الولايات المتحدة يُعالج مخاوفها الأمنية. ويُشير الاجتماع الأخير بين وزيري خارجية إيران والسعودية إلى أن طهران تستكشف مسارات دبلوماسية مع استمرارها في موقفها التصادمي.
  • تعود القضية الفلسطينية إلى الظهور مجدداً. أي تطبيع رسمي للعلاقات بين السعودية وإسرائيل سيظل مشروطاً بوجود مسار موثوق نحو إقامة دولة فلسطينية. وبدون إحراز تقدم، سيستمر الرأي العام في العالم العربي في تقييد تحركات الحكومات. وقد زادت الحرب في غزة من قوة هذا التقييد، لا العكس.

7.3 على المدى الطويل (3-5 سنوات)

  • نظام إقليمي جديد؟ قد يؤدي تضافر المصالح الأمنية الإسرائيلية والخليجية والأردنية في مواجهة إيران إلى إرساء بنية أمنية إقليمية جديدة تتجاوز الصراع العربي الإسرائيلي. إلا أن هذا المسعى مرهون بحل القضية الفلسطينية ودمج إيران - أو احتواء نفوذها - بطريقة مستدامة.
  • عزل إيران أم إعادة دمجها؟. يواجه إيران خياراً حاسماً: إما الاستمرار في نهجها التصادمي والمخاطرة بتعميق عزلتها، أو التفاوض على إطار أمني جديد يُراعي مخاوفها المشروعة مع كبح طموحاتها النووية وطموحاتها عبر الوكلاء. وستتوقف النتيجة على ما إذا كانت الولايات المتحدة وشركاؤها الإقليميون على استعداد لتقديم مسار موثوق لإيران نحو إعادة الاندماج.

8. الخلاصة: الغموض كاستراتيجية

يكشف اجتماع أبوظبي وما تلاه عن نظام إقليمي يتسم بالغموض الاستراتيجي. ويتماشى الاجتماع الثنائي المؤكد بين نتنياهو والشيخ محمد مع إطار اتفاقيات أبراهام القائمة. وتشير التقارير المتنازع عليها حول اجتماع أوسع، وإن لم يتم التحقق منها، إلى وجود تنسيق أمني خفي لا ترغب دول المنطقة في الاعتراف به علنًا. ويعكس تحذير إيران، المصمم لاستغلال الفجوة بين المزاعم الإسرائيلية والنفي العربي، فهمًا دقيقًا لهذا الغموض، وعزمًا على رفع تكلفته.

لا تُشير هذه الحادثة إلى انفراجة كبيرة نحو تحالف إقليمي رسمي، ولا تُنذر بتصعيد وشيك. بل تُجسّد العملية التدريجية والمُتنازع عليها، والتي غالباً ما تتسم بالغموض، التي يُعاد من خلالها التفاوض على التعاون الأمني الإقليمي في ظل حرب غزة، والصراع الإيراني، والقضية الفلسطينية العالقة.

من الواضح أن بنية الأمن في الشرق الأوسط تُعاد صياغتها آنيًا، أحيانًا عبر تصريحات علنية، ولكن في أغلب الأحيان عبر آليات غير معلنة كالممرات الجوية وتبادل المعلومات الاستخباراتية والدبلوماسية التي يمكن إنكارها. ويتطلب فهم هذه العملية التمييز بين ما هو مؤكد، وما هو محل نزاع، وما هو مجهول. ويقع اجتماع أبوظبي عند نقطة التقاء هذه العناصر الثلاثة.

مصادر

  • شينخوا / شينخوا نت (وكالة الأنباء الصينية الرسمية)
  • بارس توداي (موقع إخباري تابع للدولة الإيرانية)
  • بورنا نيوز (وكالة أنباء إيرانية)
  • جوردان تايمز (صحيفة يومية أردنية تصدر باللغة الإنجليزية)
  • قناة المملكة (الإذاعة الحكومية الأردنية)
  • إنديان إكسبريس (صحيفة هندية يومية باللغة الإنجليزية)
  • هندوستان تايمز (صحيفة هندية يومية باللغة الإنجليزية)
  • Malay Mail / AFP (مصدر ماليزي نقلاً عن وكالة فرانس برس)
  • وكالة الأناضول (وكالة أنباء تركية حكومية)
  • ذا ميديا لاين (وكالة أنباء مستقلة في الشرق الأوسط)
  • صحيفة طهران تايمز (صحيفة إيرانية يومية تصدر باللغة الإنجليزية)
  • JNS (وكالة الأنباء اليهودية)
  • موقع Ynet الإخباري (موقع إخباري إسرائيلي)
  • وكالة أنباء الإمارات (وام، وكالة الأنباء الرسمية لدولة الإمارات العربية المتحدة)
  • رويترز، وكالة فرانس برس (وكالات الأنباء الدولية)
  • القناة الرابعة عشرة (منفذ إسرائيلي)
  • إيل فوجليو (فرع إيطالي)

اشترك في نشرتنا الإخبارية

ابقَ على اطلاع دائم بآخر أخبارنا وعروضنا

Thank you for subscribing to the newsletter.

Oops. Something went wrong. Please try again later.

ماذا تقرأ بعد ذلك...

اترك تعليقًا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *