جنوب لبنان على حافة التصعيد: هل تستطيع الدبلوماسية الأمريكية تحويل هدنة هشة إلى أمن دائم؟

1. هدنة بدون تسوية سياسية

لا يزال جنوب لبنان عالقاً بين لغة الدبلوماسية وواقع المواجهة العسكرية. لم يعد السؤال المحوري مجرد إمكانية إقناع إسرائيل وحزب الله بخفض حدة الأعمال العدائية، بل بات السؤال الأهم هو ما إذا كانت الترتيبات التي تم التفاوض عليها برعاية أمريكية قادرة على إرساء إطار أمني يحترمه جميع الأطراف.

تُجسّد آخر المباحثات بين بيروت وواشنطن مدى صعوبة الوضع. ففي 15 أكتوبر/تشرين الأول، طلب الرئيس اللبناني جوزيف عون من وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو الضغط على إسرائيل لوقف الهجمات على البلدات والقرى الجنوبية، ووقف عمليات إزالة الغابات، والسماح للمزارعين بالعودة إلى حقولهم. كما أكد عون أن قوات الأمن اللبنانية تُنفّذ قرارات الحكومة بمصادرة الأسلحة غير المرخصة ومكافحة التهريب. وجاءت هذه المحادثات في الوقت الذي أقرّ فيه حزب الله بملكيته شحنة متفجرات ضبطتها السلطات اللبنانية، مُصرّاً على أن هذه المواد كانت مُخصصة لعمليات ضد القوات الإسرائيلية لا لأهداف داخلية.

تعاملت واشنطن مع الحادثة نفسها من زاوية مختلفة. فقد حثّ روبيو السلطات اللبنانية على محاسبة المسؤولين عن الشحنة، وأوضح أنه لا ينبغي إعادة المتفجرات المصادرة إلى حزب الله. وكشف هذا الحوار عن تضارب الأولويات التي لا تزال تُعقّد العملية الدبلوماسية: فبيروت تُطالب بإنهاء العمليات الإسرائيلية واستعادة السيادة اللبنانية، بينما تُريد إسرائيل منع حزب الله من إعادة بناء قدراته العسكرية، وتضغط واشنطن على الدولة اللبنانية لإثبات أن سلطتها تتجاوز مجرد التصريحات الرسمية.

ليست هذه الأهداف بالضرورة متعارضة، لكن ترتيبها مهم. من غير المرجح أن تعتبر إسرائيل التزامًا سياسيًا بنزع السلاح كافيًا دون دليل على تنفيذه. في الوقت نفسه، يواجه لبنان صعوبات في حشد الدعم الشعبي والسياسي للإجراءات المتخذة ضد حزب الله، في ظل بقاء القوات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية واستمرار الغارات. وقد استغل حزب الله الوجود الإسرائيلي لتبرير احتفاظه بأسلحته، مما خلق حلقة مفرغة حيث يقدم كل طرف تصرفات الطرف الآخر كذريعة لعدم الوفاء بالتزاماته.

هذا هو الضعف الجوهري للإطار الحالي. فوقف إطلاق النار قد يُخفف العنف دون أن يحل النزاع الأساسي حول الأراضي والسلطة المسلحة والضمانات الأمنية. وما لم تتفق الأطراف على تعريف الالتزام، وكيفية التحقق من الانتهاكات، وماذا يحدث عند الإخلال بالالتزامات، فإن الدبلوماسية تُخاطر بأن تصبح آلية لإدارة الأزمات المتكررة بدلاً من إنهائها.

2. نفوذ واشنطن - وحدود الضغط الأمريكي

تحتل الولايات المتحدة مكانةً يصعب على كثير من الجهات الخارجية محاكاتها. فهي تحافظ على قنوات اتصال مباشرة مع القادة الإسرائيليين، ولها نفوذ كبير على البيئة الدبلوماسية المحيطة بقرارات إسرائيل الأمنية، كما يمكنها تقديم الدعم السياسي والعملي لمؤسسات الدولة اللبنانية. وقد ساهمت أيضاً في إقامة اتصال دبلوماسي مباشر بين الممثلين اللبنانيين والإسرائيليين، وهو تطور هام بالنظر إلى غياب العلاقات الثنائية الطبيعية لفترة طويلة.

مع ذلك، لا ينبغي الخلط بين النفوذ والسيطرة. فبإمكان واشنطن الضغط على إسرائيل لتعديل وضعها العسكري، لكن لا يمكنها افتراض أن القادة الإسرائيليين سيقبلون بترتيبات يعتبرونها غير كافية لمنع الهجمات المستقبلية. كما لا يمكن للضغط الأمريكي وحده إجبار حزب الله على تسليم أسلحته أو ضمان امتلاك الحكومة اللبنانية للسلطة السياسية والقدرة العملياتية على فرض قراراتها في جميع أنحاء البلاد.

لذا، يكمن التحدي المباشر في تحقيق التوازن الدبلوماسي. فإذا ركزت واشنطن على التزامات الحكومة اللبنانية، متجاهلةً العمليات العسكرية الإسرائيلية، فإنها تُخاطر بتقويض مصداقية عملية السلام في بيروت. في المقابل، إذا طالبت بوقف العمليات الإسرائيلية دون ضمان اتخاذ تدابير فعّالة وقابلة للتحقق لمنع حزب الله من إعادة بناء بنيته التحتية العسكرية، فقد تجد صعوبة في إقناع إسرائيل بأن الاتفاق يُوفر أمناً دائماً.

يتمثل النهج الأكثر فعالية في ربط التزامات كلا الجانبين بمراحل محددة بوضوح. ويجب أن تترافق الإجراءات اللبنانية ضد الأسلحة غير المرخصة والأنشطة العسكرية مع خطوات قابلة للتحقق نحو الانسحاب الإسرائيلي، وفرض قيود على العمليات الهجومية، ووضع ترتيبات لمراقبة الحدود. ولا يتعين على أي من الطرفين الاعتماد كلياً على ضمانات الطرف الآخر؛ بل يمكن تقييم التقدم المحرز وفقاً لمعايير متفق عليها.

سيتطلب هذا من واشنطن بذل جهد أكبر من مجرد تيسير الحوارات. سيتعين عليها استثمار مواردها الدبلوماسية في الحفاظ على الالتزامات المتبادلة، وحل النزاعات المتعلقة بالانتهاكات المزعومة، وضمان ألا تؤدي النكسات تلقائيًا إلى العودة للعمل العسكري. والفرق جوهري: فالوساطة تساعد الأطراف على التوصل إلى تفاهم، بينما يتطلب التنفيذ وجود مؤسسات، ومراقبة، وعواقب لعدم الامتثال.

هناك أيضاً بُعد سياسي داخلي. يجب على الحكومة اللبنانية أن تُثبت أن قراراتها الأمنية تُنفذ عبر مؤسسات الدولة الشرعية، لا عبر ترتيبات تبدو انتقائية أو مفروضة من الخارج. إذا نُظر إلى الضغط الأمريكي على أنه يُطالب بيروت بتقديم تنازلات دون تحقيق تحسينات ملموسة في الأمن والسيادة، فقد يُقوّض ذلك المؤسسات التي تسعى واشنطن إلى تعزيزها.

إذن، لا يكمن اختبار الدبلوماسية الأمريكية في قدرتها على انتزاع إعلان التزام آخر، بل في قدرة واشنطن على إقناع الأطراف بقبول ترتيب عملي يحقق فيه الامتثال فوائد ملموسة، بينما تترتب على الانتهاكات تكاليف معقولة.

3. مسألة حزب الله: نزع السلاح، الانسحاب الإسرائيلي، وسلطة الدولة

يُشكّل الخلاف حول أسلحة حزب الله جوهر المعضلة الأمنية في لبنان. فقد التزمت الحكومة اللبنانية بوضع الأسلحة غير المرخصة تحت سيطرة الدولة، بينما يُصرّ حزب الله على أنه لن يُسلّم سلاحه ما دامت القوات الإسرائيلية موجودة على الأراضي اللبنانية. من جانبها، تُجادل إسرائيل بأن استمرار العمل العسكري ضروري لمنع الحزب من إعادة بناء قدراته وتهديد المجتمعات عبر الحدود.

ينطوي كل موقف على مخاوف استراتيجية لا يمكن إزالتها بمجرد الخطاب الدبلوماسي. تسعى إسرائيل إلى ضمان عدم عودة التهديد الذي يشكله حزب الله بعد الانسحاب. ويسعى حزب الله إلى الحفاظ على ما يصفه بقدرة الردع طالما بقيت القوات الإسرائيلية موجودة. أما الدولة اللبنانية، فترغب في استعادة سلطتها على قرارات الحرب والسلام دون إثارة مواجهة داخلية قد تزيد من إضعاف البلاد.

يُعدّ ضبط المتفجرات في منطقة البقاع حدثًا بالغ الأهمية في هذا السياق. فاعتراف حزب الله بأن الشحنة تخصّه، إلى جانب مطالبته بإعادة المواد وإطلاق سراح المحتجزين، يضع سياسة نزع السلاح الحكومية تحت ضغط عملي فوري. كما يثير هذا الأمر تساؤلاً أوسع نطاقًا حول مدى قدرة الدولة على فرض قراراتها في ظل وجود منظمة مسلحة تحتفظ بأهداف عسكرية وشبكات إمداد مستقلة.

قد يكون ترتيب تنفيذ الالتزامات بنفس أهمية الالتزامات نفسها. فاشتراط نزع سلاح شامل قبل أي تغيير جوهري في الوجود العسكري الإسرائيلي قد يُعرّض الحكومة اللبنانية لمخاطر سياسية. أما الانسحاب الإسرائيلي دون ترتيبات أمنية موثوقة، فقد يُنظر إليه من قِبل إسرائيل على أنه ترك التهديد الأساسي دون حل. إن أي عملية تسعى إلى تسوية كل قضية قبل بدء التنفيذ قد تبقى ببساطة مشلولة.

يُقدّم الترتيب التدريجي أحد السبل الممكنة للمضي قدماً. ويمكن أن يجمع بين تدابير أمنية محددة جغرافياً، وتعزيز انتشار الجيش اللبناني، وفرض قيود موثقة على النشاط العسكري، وخطوات متفق عليها نحو الانسحاب الإسرائيلي، وآلية للتحقيق في الانتهاكات المزعومة. وسيُقاس التقدم بناءً على أفعال ملموسة لا على التصريحات السياسية وحدها.

لن يحلّ هذا الترتيب المسألة الأوسع نطاقاً المتعلقة بمكانة حزب الله في السياسة اللبنانية أو مستقبل جناحه العسكري، ولن يضمن التزام جميع الأطراف. تكمن قيمته في تقليل عدد القضايا العالقة التي قد تُشعل فتيل القتال من جديد، مع منح المؤسسات اللبنانية مسؤولية أكبر عن الأمن على أرض الواقع.

في نهاية المطاف، لا يكمن التحدي في مجرد إزالة الأسلحة من منطقة معينة، بل في إرساء نظام سياسي وأمني تُتخذ فيه القرارات المتعلقة بالقوة المسلحة من قبل مؤسسات الدولة الشرعية، وتُراقب فيه الحدود بشكل موثوق، ولا يُترك المدنيون ليتحملوا تبعات المواجهة المفتوحة.

4. انسحاب اليونيفيل وخطر حدوث فجوة في المراقبة

يُضيف مستقبل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) بُعداً آخر من عدم اليقين إلى المفاوضات. فقد قرر مجلس الأمن الدولي عدم تجديد ولاية البعثة لما بعد نهاية عام 2026، مع توقع استمرار عملية الانسحاب حتى عام 2027. ومع اقتراب الموعد النهائي، بات السؤال حول الجهة التي ستتولى مراقبة الحدود، والإبلاغ عن الانتهاكات، والمساعدة في منع تصاعد الحوادث المحلية، أكثر إلحاحاً.

تجاوز دور اليونيفيل مجرد الحفاظ على وجود دولي مرئي. فقد رصدت قوات حفظ السلام التابعة لها التطورات على طول الخط الأزرق، وحافظت على قنوات اتصال بين الأطراف، ودعمت وصول المساعدات الإنسانية، وساعدت في الحد من مخاطر سوء التقدير. لا تقضي هذه المهام على النزاع القائم، لكنها توفر آليات عملية لإدارة الحوادث قبل أن تتطور إلى مواجهات أوسع.

تُعدّ هذه المرحلة الانتقالية حساسة للغاية، إذ لا تزال قدرة الجيش اللبناني على الانتشار والعمل في جميع أنحاء جنوب لبنان مقيدة بالظروف الأمنية، وتضرر البنية التحتية، وقيود الوصول، ونقص الموارد. وقد حذّرت قيادة الأمم المتحدة لحفظ السلام من أن انسحاب البعثة الحالية دون ترتيبات بديلة فعّالة قد يُحدث فراغًا أمنيًا كبيرًا. قد تُسهم المقترحات الأوروبية لدعم وتدريب القوات اللبنانية في تعزيز مؤسسات الدولة، لكن المساعدة التدريبية لا تُغني تلقائيًا عن وجود عملية حفظ سلام قائمة تتضمن مسؤوليات الرصد والتنسيق.

يستحق هذا التمييز مزيدًا من الاهتمام في النقاش الدبلوماسي. فالقوة المصممة أساسًا لتدريب وتجهيز أفراد الأمن اللبنانيين ستؤدي وظيفة مختلفة عن تلك المكلفة برصد التطورات، والحفاظ على اتصال عملياتي مع كلا الجانبين، ودعم خفض التصعيد. يجب أن تحدد أي خطة انتقالية المؤسسة التي ستتولى كل مسؤولية، وما هي الصلاحيات التي ستتمتع بها، وكيف ستتصرف عند منع الوصول أو عند الحاجة إلى التحقيق في انتهاك مزعوم.

يُعدّ التوقيت عاملاً بالغ الأهمية أيضاً. فإذا انسحبت البعثة الحالية بينما لا تزال القوات الإسرائيلية متمركزة في أجزاء من جنوب لبنان، واستمر النشاط العسكري لحزب الله، ولم يكتمل انتشار الجيش اللبناني، فإن غياب آلية رصد معتمدة قد يُصعّب إدارة الوضع الأمني. وسيصبح التحقق من الروايات المتضاربة للأحداث أكثر صعوبة، وقد يواجه القادة المحليون ضغوطاً أكبر للاستجابة قبل أن تتاح للقنوات الدبلوماسية فرصة التدخل.

بالنسبة لواشنطن، فإن مستقبل قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) ليس مسألة مؤسسية ثانوية، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمدى جدوى أي اتفاق أمني تأمل في إبرامه. إن أي اتفاق سياسي دون نظام موثوق لمراقبة التنفيذ سيجعل الأطراف تعتمد على تقييماتها الخاصة للالتزام، وهو الشرط الذي قوّض الثقة مراراً وتكراراً.

5. ثلاثة مسارات مستقبلية: ما الذي سيجعل خفض التصعيد مستداماً؟

سيتوقف مسار جنوب لبنان على التفاعل بين القرارات الدبلوماسية والحسابات العسكرية وقدرة المؤسسات اللبنانية على إنفاذ السياسة. وتُقدّم ثلاثة سيناريوهات عامة إطاراً مفيداً لتقييم الأشهر المقبلة.

الخيار الأول هو خفض التصعيد تدريجياً وتحت المراقبة. في هذا السيناريو، ستساعد واشنطن في ضمان التزامات متبادلة تربط بين خفض العمليات الإسرائيلية واتخاذ لبنان خطوات أمنية قابلة للقياس. سيتفق الطرفان على جدول زمني، وآلية للتحقيق في الانتهاكات المزعومة، وترتيبات للحفاظ على التواصل بين السلطات العسكرية. سيتم الانسحاب الإسرائيلي ونشر القوات اللبنانية وفقاً لمراحل محددة قابلة للتحقق، بينما ستستمر المراقبة الدولية بشكل متفق عليه. لن يحل هذا جميع الخلافات السياسية، ولكنه قد يقلل من الدوافع المباشرة لتجدد المواجهة.

أما السيناريو الثاني فهو فترة طويلة من الهدوء الهش. ستستمر الاتصالات الدبلوماسية، وقد تتجنب الأطراف العودة إلى قتال واسع النطاق ومستمر، لكن الخلافات حول الأسلحة والأراضي والمراقبة ستبقى دون حل. وقد تستمر الضربات المتفرقة والاعتقالات والحوادث المتنازع عليها والقيود المفروضة على حركة المدنيين. قد توفر هذه النتيجة راحة مؤقتة، لكنها ستبقي المعضلة الأمنية الأساسية قائمة. وتتمثل المؤشرات الرئيسية في غياب جدول زمني متفق عليه للتنفيذ، واستمرار النزاعات حول الامتثال، والتأخير في تحديد كيفية عمل مراقبة الحدود بعد انتهاء ولاية اليونيفيل.

أما الثالث فهو تصعيد متجدد. فقد يؤدي هجوم كبير، أو سقوط ضحايا مدنيين بأعداد كبيرة، أو انهيار الاتصالات العسكرية، إلى ردود فعل انتقامية وتصاعد وتيرة العنف. ويزداد الخطر حدةً إذا ما استنتج أي من الطرفين أن الطرف الآخر يستخدم المفاوضات لكسب الوقت أو تحسين موقفه العسكري. كما أن غياب المراقبة بعد انسحاب قوات اليونيفيل قد يزيد من تعقيد الجهود المبذولة لتحديد ملابسات الحادث واحتواء تداعياته. ويصبح هذا السيناريو أكثر ترجيحاً في حال تدهورت القنوات الدبلوماسية، أو توسعت العمليات العسكرية جغرافياً، أو تخلت الأطراف عن الإجراءات المتفق عليها لمعالجة الانتهاكات.

لا تستبعد هذه السيناريوهات بعضها بعضاً مع مرور الوقت. فقد تفسح فترة من الهدوء الهش المجال لاتفاق تفاوضي، أو قد تتدهور إلى مواجهة متجددة. والسؤال الحاسم هو ما إذا كان بإمكان الأطراف الانتقال من ضبط النفس المؤقت إلى نظام يجعل الامتثال أكثر قابلية للتنبؤ والتصعيد أقل جاذبية.

تستحق عدة مؤشرات اهتماماً خاصاً. أولاً، هل تُترجم واشنطن التزامها الدبلوماسي إلى التزامات محددة ومتبادلة بدلاً من الاعتماد على دعوات عامة لضبط النفس؟ ثانياً، هل يُوسّع الجيش اللبناني وجوده العملياتي ويُبرهن على تنفيذ قرارات الحكومة بشأن الأسلحة والتهريب؟ ثالثاً، هل تتخذ إسرائيل خطوات قابلة للتحقق نحو الانسحاب وضبط النفس في عملياتها؟ رابعاً، هل يتم وضع ترتيبات موثوقة لخلافة القوات الإسرائيلية قبل بدء انسحاب اليونيفيل بشكل فعلي؟ أخيراً، هل يستعيد المدنيون إمكانية الوصول إلى الأراضي الزراعية والخدمات الأساسية والمجتمعات المتضررة؟ تُقدّم هذه التطورات مقياساً أكثر موثوقية للتقدم من وتيرة الاجتماعات الدبلوماسية أو نبرة التصريحات العامة.

تُعدّ الأبعاد الإنسانية والاقتصادية أساسيةً للنتيجة. فالهدنة التي تُبقي المزارعين عاجزين عن الوصول إلى أراضيهم، والعائلات غير قادرة على العودة، والمجتمعات في حالة من عدم اليقين بشأن إعادة الإعمار، ستواجه صعوبةً في بناء الثقة في العملية السياسية. لذا، ينبغي التعامل مع تعافي المدنيين كجزء من الترتيبات الأمنية، لا كميزة تُنظر فيها فقط بعد تسوية المسائل العسكرية.

الخلاصة الأوسع هي أن الدبلوماسية الأمريكية قادرة على المساعدة في احتواء التصعيد، لكن نجاحها سيتوقف على قدرتها على سد الفجوة بين الالتزامات السياسية والتنفيذ. فالضغط على بيروت وحده لا يضمن ضبط النفس الإسرائيلي، كما أن الضغط على إسرائيل وحده لا يحل مسألة أسلحة حزب الله. ويتطلب التوصل إلى اتفاق مستدام التزامات متبادلة، ومراقبة موثوقة، ومؤسسات لبنانية أقوى، وآلية واضحة لمعالجة الانتهاكات.

يواجه جنوب لبنان اختباراً مصيرياً. لا يقتصر الأمر على قدرة واشنطن على التوسط في وقف إطلاق نار آخر، بل يتعداه إلى قدرة الولايات المتحدة وحلفائها على تهيئة الظروف التي تجعل أياً من الطرفين يرى في استئناف العمليات العسكرية الوسيلة الوحيدة الموثوقة لحماية مصالحه. إلى أن تتغير هذه الحسابات، ستظل أي هدنة عرضة لأي حادثة أخرى، وقد تكون الأزمة القادمة أصعب احتواءً من سابقتها.


المصادر ومصادر القراءة الإضافية

  1. رويترز، 15 أكتوبر 2026، "حزب الله يقول إنه يمتلك متفجرات مصادرة، كانت مخصصة لمهاجمة إسرائيل".“
    https://www.reuters.com/world/middle-east/hezbollah-says-it-owned-confiscated-explosives-meant-attack-israel-2026-10-15/
  2. وكالة أسوشيتد برس، 15 أكتوبر 2026، "رئيس قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة يقول إن تساؤلات كبيرة تحوم حول جنوب لبنان مع اقتراب انسحاب اليونيفيل".“
    https://apnews.com/article/8c84eb54b63eb2d75bd3f595c121d9c6
  3. الجزيرة، 16 أكتوبر 2026، "روبيو يضغط على لبنان بشأن مصادرة الأسلحة من حزب الله".“
    https://www.aljazeera.com/news/2026/10/16/rubio-presses-lebanon-on-confiscation-of-weapons-from-hezbollah
  4. قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، 1 أكتوبر 2026، "لا تزال اليونيفيل عاملاً حاسماً في تحقيق الاستقرار في جنوب لبنان".“
    https://unifil.unmissions.org/en/news/unifil-remains-a-critical-stabilizing-factor-in-south-lebanon
  5. مكتبة مجلس العموم البريطاني، 24 سبتمبر 2026، "لبنان ونهاية ولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان عام 2026".“
    https://commonslibrary.parliament.uk/research-briefings/cbp-10348/

ملاحظة تحريرية: يُفرّق هذا التحليل بين التطورات المُبلّغ عنها والتفسير الاستراتيجي. السيناريوهات المعروضة هي تقييمات مشروطة، وليست تنبؤات بنتيجة مُحددة. ينبغي التعامل مع ادعاءات الأطراف بشأن النوايا العسكرية والانتهاكات على أنها تصريحات منسوبة ما لم يتم التحقق منها بشكل مستقل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *