دخل المغرب فصلاً سياسياً جديداً بتعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة في 29 سبتمبر 2026, وبذلك أصبحت أول امرأة تشغل هذا المنصب في تاريخ البلاد. وجاء تعيينها عقب الانتخابات البرلمانية التي جرت في 23 سبتمبر/أيلول، والتي فاز فيها حزب الأصالة والمعاصرة بأكبر عدد من المقاعد، حيث حصد 97 مقعدًا من أصل 395 في مجلس النواب. ولأن الحزب لم يحصل على أغلبية مطلقة، فسيتعين على المنصوري تشكيل ائتلاف حكومي.
إن أهمية هذا التطور تتجاوز بكثير مجرد تعيين سياسي بعينه، إذ يثير تساؤلات أوسع نطاقاً حول مكانة المرأة في الحياة السياسية، والطبيعة المتغيرة للقيادة السياسية في المغرب، والعلاقة بين التمثيل والسلطة السياسية، والتوقعات الاجتماعية المتغيرة المحيطة بالمرأة في المجتمع المغربي.
كما أن لها بعداً عربياً أوسع. فبحسب التقارير الحالية، تُعدّ المنصوري ثاني امرأة تتولى منصب رئيسة الوزراء أو رئيسة الحكومة في العالم العربي، بعد نجلاء بودن في تونس.
وبالتالي فإن تعيينها يوفر فرصة مهمة لدراسة ليس فقط ما تغير، ولكن أيضًا ما لا يزال دون حل.
لا يقتصر السؤال المحوري على ما إذا كان بإمكان المرأة الوصول إلى أعلى المناصب السياسية، فقد أجاب المغرب على هذا السؤال عملياً. بل إن السؤال الأهم هو ما يعنيه هذا التعيين بالنسبة للمشاركة السياسية، والسلطة المؤسسية، والتوقعات الاجتماعية، ودور المرأة المستقبلي في المغرب والعالم العربي عموماً.
1. تعيين تاريخي - ولكن ضمن نظام سياسي معقد
لم يكن وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى منصب رئيسة الحكومة مفاجئاً، بل يعكس مسارها السياسي تقدماً من الحكم المحلي إلى القيادة السياسية الوطنية.
انتُخبت عمدةً لمدينة مراكش عام 2009، لتصبح أول امرأة تشغل هذا المنصب في المدينة. ثم شغلت لاحقاً منصب وزيرة التخطيط الوطني، وتخطيط الأراضي، والإسكان، وسياسة المدينة، وأصبحت إحدى الشخصيات البارزة في حزب الأصالة والمعاصرة.
يُعدّ هذا المسار المهني ذا أهمية بالغة لأنه يُظهر أن تعيينها ليس مجرد نتيجة لقرار رمزي بوضع امرأة في منصب رفيع، بل هو أيضاً تتويج لمسيرة سياسية تطورت من خلال العمل في مؤسسات منتخبة وحكومية.
وفي الوقت نفسه، يجب فهم تعيينها في إطار البنية الدستورية والسياسية للمغرب.
المغرب ملكية دستورية يعيّن فيها الملك رئيس الحكومة من الحزب الحائز على أكبر عدد من المقاعد في مجلس النواب. وبالتالي، تنبثق الحكومة الجديدة من تفاعل بين السياسة الانتخابية، والتنافس الحزبي، والحسابات البرلمانية، والدور الدستوري للملكية.
إن حقيقة فوز حزب الحركة الوطنية الاشتراكية بـ 97 مقعداً - بدلاً من الأغلبية البرلمانية - تعني أن التحدي السياسي الأول الذي يواجه المنصوري من المرجح أن يكون بناء الائتلاف وتأسيس أغلبية حاكمة فعالة.
وهذا أمر مهم من الناحية التحليلية لأنه يمنع النظر إلى التعيين حصرياً من خلال منظور النوع الاجتماعي.
المنصوري ليست مجرد "أول امرأة". إنها أيضاً رئيسة حكومة تعمل ضمن نظام دستوري معين، وهيكل حزبي معين، ومجموعة معينة من القيود السياسية.
إن جنسها يجعل التعيين ذا أهمية تاريخية. كما أن المسؤوليات السياسية المرتبطة بالمنصب تجعله ذا تأثير مؤسسي كبير.
2. ماذا يعني تعيين المنصوري بالنسبة للمرأة المغربية؟
يتعلق البعد الاجتماعي الأكثر مباشرة لهذا التعيين بالتمثيل.
بالنسبة للمرأة المغربية، فإن رؤية امرأة تشغل أعلى منصب تنفيذي قد تحمل دلالات تتجاوز الشخصية السياسية نفسها. فالتمثيل السياسي له بُعد رمزي، إذ يُغير الحدود الظاهرة لما يُعتبر ممكناً.
لعقود طويلة، واجهت النساء في العديد من المجتمعات تمييزاً ضمنياً بين كونهن مشاركات فاعلات في المجتمع وبين كونهن حائزات شرعيات للسلطة السياسية. قد تكون النساء ذوات تعليم عالٍ، وناجحات مهنياً، وناشطات في المجتمع المدني، أو ذوات نفوذ في قطاع الأعمال والمؤسسات العامة، بينما تبقى القيادة السياسية العليا حكراً على الرجال بشكل غير متناسب.
إن تعيين المنصوري يزعزع تلك الصورة التقليدية.
لم تعد المرأة مجرد مشاركة في السياسة المغربية، بل أصبحت تشغل المنصب الذي تُقاد منه الحكومة نفسها.
قد يكون لهذا الأمر أهمية خاصة بالنسبة للأجيال الشابة. فالتمثيل السياسي يؤثر على كيفية إدراك الشابات لإمكانية مشاركتهن في الحياة العامة، كما يؤثر على كيفية إدراك الأحزاب السياسية والمؤسسات والناخبين لمدى جدوى تولي النساء مناصب قيادية.
ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين التمثيل والمساواة.
إن وجود امرأة واحدة في أعلى هرم السلطة لا يُثبت، في حد ذاته، أن النساء قد حققن المساواة في الوصول إلى الحياة السياسية. كما أنه لا يعني بالضرورة زوال العوائق الهيكلية التي تُعيق مشاركة المرأة السياسية.
يتطلب التقييم الأكثر جدوى دراسة البيئة السياسية الأوسع: عدد النساء في البرلمان، ووجودهن في الهياكل الحزبية العليا، ووصولهن إلى المناصب الوزارية والإدارية، وقدرتهن على تشكيل السياسات بدلاً من مجرد شغل مناصب ظاهرة.
لذا تكمن أهمية تعيين المنصوري جزئياً في السؤال الذي يثيره:
هل ستصبح أول امرأة في القمة استثناءً، أم أن وصولها سيساعد في تطبيع دور المرأة القيادي في جميع أنحاء النظام السياسي؟
لا يمكن الإجابة على هذا السؤال بمجرد التعيين نفسه، بل سيعتمد الأمر على ما سيحدث لاحقاً.
3. من الرمزية إلى السلطة السياسية الجوهرية
يُعد التمييز بين أهم الفروقات في تقييم المشاركة السياسية للمرأة التمثيل الرمزي والقوة الموضوعية.
يشير التمثيل الرمزي إلى الظهور: من يُرى وهو يشغل مناصب السلطة.
إن السلطة السياسية الجوهرية تتعلق بشيء مختلف: من يشكل القرارات، ويسيطر على المؤسسات، ويتفاوض على الاتفاقيات السياسية، ويحدد الأولويات، ويؤثر على تخصيص الموارد العامة.
يُغيّر تعيين المنصوري بشكل واضح البُعد الرمزي للقيادة السياسية المغربية. لكن مدى سلطتها السياسية الفعلية سيتوقف على الواقع المؤسسي والسياسي المحيط بحكومتها.
لا يحظى حزبها بالأغلبية البرلمانية، لذا يتعين عليها العمل مع شركاء الائتلاف ومراعاة المصالح السياسية المتضاربة. وسيتوقف نجاح الحكومة ليس فقط على قيادتها الشخصية، بل أيضاً على تماسك الائتلاف، والعلاقات بين الأحزاب السياسية، والدعم البرلماني، والتوزيع الدستوري الأوسع للسلطة.
هذا التمييز مهم لأن النساء في السياسة يُقيّمن أحيانًا بمعايير مختلفة عن الرجال. فالمرأة التي تصل إلى منصب رفيع قد تصبح رمزًا للتقدم الجنساني، بينما يحظى سجلها السياسي الفعلي باهتمام أقل.
ينبغي للتحليل الجاد أن يتجنب كلا الطرفين المتطرفين.
لا شك أن جنسها ذو صلة بالأهمية التاريخية لهذا التعيين. لكن أداءها كرئيسة للحكومة سيُقيّم في نهاية المطاف من خلال نفس المعايير المؤسسية التي تُطبق على أي حكومة: تنفيذ السياسات، والإدارة الاقتصادية، والخدمات العامة، والتنسيق السياسي، واستجابة الحكومة للمطالب الاجتماعية.
وبالتالي، يكمن التحدي في إدراك أهمية التمثيل دون اختزال القيادة السياسية إلى مجرد التمثيل.
4. ماذا يخبرنا هذا التعيين عن السياسة المغربية؟
كما يتيح تعيين المنصوري فرصة لدراسة البنية المتغيرة للحياة السياسية المغربية.
يعكس مسارها السياسي أهمية الحكم المحلي كسبيل للوصول إلى القيادة الوطنية. وقد أتاحت لها تجربتها كرئيسة لبلدية مراكش فرصة الاطلاع المباشر على إدارة المدن قبل انتقالها إلى الحكومة الوطنية.
يُعدّ هذا المسار بالغ الأهمية لأنّ القيادة السياسية لا تُبنى دائماً من خلال السياسة البرلمانية الوطنية حصراً. إذ يمكن للحكومات المحلية أن تُوفّر مساراً مؤسسياً هاماً يكتسب من خلاله السياسيون الخبرة الإدارية، ويُطوّرون حضورهم العام، ويُؤسّسون شبكاتهم السياسية.
كما يوضح صعودها الأهمية المستمرة للأحزاب السياسية داخل النظام الانتخابي المغربي.
أصبح حزب الحركة الوطنية المغربية، الذي تأسس عام 2008، أحد القوى السياسية الرئيسية في المغرب. وقد ساهم ظهوره وتطوره اللاحق في تطور المشهد الحزبي في البلاد.
في الوقت نفسه، تُظهر نتائج الانتخابات أن النجاح الانتخابي لا يُترجم بالضرورة إلى سيطرة أحادية على الحكومة. فالمقاعد الـ 97 التي فاز بها حزب الحركة من أجل التغيير (PAM) تجعل رئيس الحكومة الجديد مُعتمدًا على تشكيل ائتلاف حكومي.
وهذا يخلق اختباراً سياسياً هاماً.
سيتعين على الحكومة الجديدة الموازنة بين توقعات شركائها في الائتلاف وأولويات برنامجها السياسي. كما سيتعين عليها الاستجابة لضغوط اقتصادية واجتماعية يواجهها السكان، مع إدارة المسؤوليات المؤسسية للحكومة.
وبهذا المعنى، يمثل تعيين المنصوري علامة فارقة في مجال المساواة بين الجنسين واختباراً للحكم السياسي.
5. المجتمع المغربي والصورة المتغيرة للقيادة النسائية
لا يمكن فصل الأهمية السياسية لهذا التعيين عن التغيرات الأوسع نطاقاً في المجتمع المغربي.
شهد المغرب تغييرات اجتماعية ومؤسسية كبيرة خلال العقود الأخيرة. وقد برزت المرأة بشكل متزايد في مجالات التعليم والحياة المهنية والمؤسسات العامة والأعمال والمجتمع المدني والسياسة.
لكن التغيير الاجتماعي نادراً ما يكون موحداً.
قد تشهد المجتمعات الحضرية والريفية تحولات سياسية واجتماعية مختلفة. وقد تتباين مواقف الأجيال. كما أن الظروف الاقتصادية قد تُؤثر على الفرص المتاحة. ولا تزال التوقعات الثقافية المتعلقة بأدوار المرأة تُؤثر على الحياة الأسرية، والعمل، والمشاركة السياسية، والقيادة العامة.
وبالتالي، فإن وصول امرأة إلى رأس الحكومة يصبح جزءاً من حوار اجتماعي أوسع بكثير.
إنه يتحدى الافتراض القائل بأن السلطة السياسية ذكورية بطبيعتها.
لكن ذلك يرفع التوقعات أيضاً.
بمجرد أن تتبوأ امرأة أعلى منصب تنفيذي، يصبح وجودها مرجعًا للنقاشات حول النساء الأخريات الساعيات إلى القيادة السياسية. قد يشير المؤيدون إلى مسيرتها المهنية كدليل على إمكانية التقدم السياسي، بينما قد يُقيّم النقاد سياساتها بمعزل عن جنسها. أما النساء اللواتي يدخلن معترك السياسة، فقد ينظرن إلى تجربتها إما كنموذج يُحتذى به، أو سابقة، أو مجرد مثال آخر على مسيرة سياسية فردية.
وبالتالي، سيعتمد الأثر الاجتماعي جزئياً على ما إذا كان تعيينها سيصبح أمراً طبيعياً.
إذا ظل وجود النساء في المناصب السياسية العليا نادراً، فقد يستمر التعامل مع التعيين كحدث استثنائي.
لكن إذا وصلت المزيد من النساء لاحقاً إلى مناصب سياسية رئيسية، فقد يصبح التعيين جزءاً من عملية أطول يصبح فيها تولي المرأة مناصب قيادية سياسية أقل غرابة.
6. الاختبار الاقتصادي والاجتماعي
إن الأهمية الرمزية لتعيين المنصوري ستتنافس حتماً مع المتطلبات العملية التي تواجه حكومتها.
من المتوقع أن تواجه الإدارة الجديدة قضايا تشمل التوظيف والأجور والتضخم والخدمات العامة والإصلاح الاقتصادي وتطلعات الشباب. كما تستعد المغرب لاستضافة كأس العالم لكرة القدم 2030، وتضطلع بمسؤوليات كبيرة في مجال البنية التحتية والاقتصاد.
تكتسب هذه التحديات أهمية خاصة لأن الشرعية السياسية لا تُبنى فقط من خلال التمثيل، بل تُقاس الحكومات أيضاً بقدرتها على الاستجابة لمخاوف المواطنين اليومية.
بالنسبة للمرأة المغربية، يُعد هذا البُعد ذا أهمية خاصة.
لا تنفصل قضايا التوظيف والتعليم والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية ورعاية الأطفال والإسكان والفرص الاقتصادية عن قضية مشاركة المرأة السياسية الأوسع نطاقاً. فالسياسات العامة تؤثر على الظروف التي تشارك فيها المرأة في كل من الاقتصاد والحياة العامة.
في الوقت نفسه، سيكون من التبسيط المفرط افتراض أن المرأة التي تقود الحكومة ستنتج تلقائياً سياسات تفيد النساء أكثر مما يفعله القائد الذكر.
تتشكل القرارات السياسية من خلال برامج الأحزاب، والقيود الاقتصادية، والهياكل المؤسسية، واتفاقيات الائتلاف، والأولويات الاجتماعية المتنافسة.
لذا فإن أهمية قيادة المنصوري لا تكمن في افتراض أن الجنس يحدد السياسة، بل في ملاحظة ما تفعله حكومة تقودها امرأة بالفعل.
7. البعد العربي الأوسع
إن لتطور المغرب أهمية تتجاوز حدوده الوطنية.
يُضاف تعيين المنصوري إلى عدد قليل نسبياً من الحالات التي وصلت فيها النساء إلى أعلى المناصب التنفيذية في الأنظمة السياسية العربية. ووفقاً للتقارير الحالية، فهي ثاني امرأة تتولى رئاسة حكومة في العالم العربي، بعد نجلاء بودن في تونس.
وهذا يضفي على التعيين بُعداً رمزياً إقليمياً.
في مختلف أنحاء العالم العربي، توسعت مشاركة المرأة في الحياة السياسية بطرق وسرعات متفاوتة. فقد دخلت النساء البرلمانات والوزارات والمؤسسات الدبلوماسية والحكومات المحلية والمناصب الإدارية العليا. ومع ذلك، لا يزال وصول المرأة إلى أعلى مستويات السلطة التنفيذية أمراً نادراً.
وبالتالي، تساهم الحالة المغربية في نقاش إقليمي مستمر حول التمثيل السياسي وقيادة المرأة.
لكن يجب إجراء المقارنات بين الدول العربية بحذر.
تختلف الأنظمة السياسية اختلافاً كبيراً. فالترتيبات الدستورية، والقواعد الانتخابية، وهياكل الأحزاب، ودور الملكيات أو الرئاسات، والعلاقة بين مؤسسات الدولة والأحزاب السياسية تختلف من بلد إلى آخر.
وبالتالي، لا يمكن ببساطة تقديم تجربة المغرب كنموذج يمكن للدول العربية الأخرى استنساخه.
تكمن أهميتها بدلاً من ذلك في توسيع نطاق التجارب السياسية المتاحة للمقارنة.
كلما زاد عدد النساء اللواتي يشغلن مناصب السلطة التنفيذية في جميع أنحاء المنطقة، كلما تحول النقاش من السؤال المجرد حول ما إذا كان بإمكان النساء القيادة إلى أسئلة أكثر واقعية حول كيفية حكمهن، وكيف تستجيب المؤسسات لهن، وكيف تفسر المجتمعات قيادتهن.
8. صورة جديدة للمرأة العربية في السياسة؟
وهناك أيضاً مسألة ثقافية أوسع وراء التطور السياسي.
على مدار جزء كبير من التاريخ السياسي العربي الحديث، كانت الصورة العامة السائدة للقيادة السياسية ذكورية في الغالب. شاركت النساء في الحركات الوطنية، والمجتمع المدني، والمنظمات المهنية، والأوساط الأكاديمية، والدبلوماسية، والأحزاب السياسية، لكن حضورهن في أعلى مستويات السلطة التنفيذية ظل محدوداً.
إن تعيين امرأة رئيسة للحكومة يتحدى تلك الصورة التاريخية.
إنها تخلق واقعاً بصرياً وسياسياً مختلفاً: فالمرأة لا تتحدث فقط عن القضايا السياسية أو تدعو إلى الإصلاح؛ بل هي مسؤولة عن إدارة الحكومة نفسها.
هذا الأمر مهم لأن الشرعية السياسية تتشكل جزئياً من خلال الألفة.
عندما ترى المجتمعات مراراً وتكراراً النساء يشغلن مناصب وزيرات، وعمدات، ومشرعات، ودبلوماسيات، ورؤساء حكومات، فإن السلطة السياسية للمرأة يمكن أن تصبح تدريجياً أقل استثنائية.
لكن هذه العملية ليست تلقائية ولا خطية.
لا يمكن لتعيين واحد أن يغير الثقافة السياسية بمفرده. تتشكل المواقف الثقافية بفعل عوامل عديدة، منها التعليم، والمشاركة الاقتصادية، والتمثيل الإعلامي، والبنية الأسرية، والمؤسسات السياسية، والتغيرات الجيلية.
لذا ينبغي فهم تعيين المنصوري كحدث واحد ضمن عملية اجتماعية أكبر بكثير.
9. مسألة التوقعات
هناك بُعد آخر يستحق الاهتمام: وهو عبء التوقعات الموضوعة على النساء اللواتي يصلن إلى مناصب سياسية عليا.
غالباً ما تصبح المرأة الرائدة رمزاً لمجموعة بأكملها.
قد تُفسَّر نجاحاتها كدليل على تقدم المرأة، بينما قد تُفسَّر إخفاقاتها، بشكل غير عادل، كدليل ضد قيادة المرأة بشكل عام.
وهذا يخلق بيئة سياسية خاصة للنساء في المناصب العليا.
وبالتالي، سيواجه المنصوري تحدي الحكم كزعيم سياسي فردي، وفي الوقت نفسه سيصبح مرجعاً في نقاش أوسع بكثير حول المرأة والسلطة.
ولأغراض التحليل، ينبغي فصل هذين البعدين.
ينبغي تقييمها كقائدة سياسية بناءً على سياسات حكومتها وأدائها.
وفي الوقت نفسه، يمكن دراسة تعيينها بشكل مشروع باعتباره تطوراً في تاريخ التمثيل السياسي للمرأة.
إن إبقاء هذين السؤالين منفصلين يسمح بفهم أكثر توازناً لما يعنيه الموعد.
10. التمثيل والسلطة والتغيير المؤسسي
في نهاية المطاف، يمكن فهم أهمية تولي أول امرأة منصب رئيسة الحكومة في المغرب من خلال ثلاثة مستويات مترابطة.
أولاً: التمثيل
وصلت امرأة إلى أعلى منصب تنفيذي في البلاد. هذا يُغيّر التركيبة الظاهرة للقيادة السياسية ويُرسي سابقة مهمة للأجيال القادمة.
ثانياً: السلطة السياسية
سيعتمد التأثير العملي لرئيس الحكومة الجديد على النظام الدستوري، والحسابات البرلمانية، وترتيبات الائتلاف، والعلاقات بين المؤسسات السياسية، وقدرة الحكومة على تنفيذ برنامجها.
ثالثًا: التغيير الاجتماعي والمؤسسي
ستعتمد الأهمية على المدى الطويل على ما إذا كانت المشاركة السياسية للمرأة ستتوسع لتتجاوز مجرد تعيين استثنائي واحد.
هل ستشغل المزيد من النساء مناصب قيادية داخل الأحزاب السياسية؟
هل ستصل المزيد من النساء إلى مناصب قيادية وزارية وبرلمانية؟
هل ستعمل الأحزاب السياسية على تطوير مسارات أقوى لتقدم المرأة؟
هل ستنظر الشابات المغربيات بشكل متزايد إلى القيادة السياسية كمهنة واقعية بدلاً من كونها احتمالاً استثنائياً؟
هذه هي الأسئلة التي ستحدد ما إذا كان التعيين سيصبح علامة فارقة معزولة أم جزءًا من تحول مؤسسي أوسع.
خاتمة
يمثل تعيين فاطمة الزهراء المنصوري كأول امرأة تتولى منصب رئيسة الحكومة في المغرب تطوراً هاماً في التاريخ السياسي والاجتماعي للبلاد.
إنها تغير صورة القيادة التنفيذية في المغرب، وتخلق نقطة مرجعية جديدة للمشاركة السياسية للمرأة، وتضيف فصلاً مهماً إلى النقاش العربي الأوسع حول المرأة والسلطة السياسية.
ومع ذلك، لا ينبغي اختزال أهمية التعيين إلى مجرد رمزية أو إلى الجنس فقط.
ترث المنصوري حكومة تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة. ويتعين عليها بناء ائتلاف برلماني، وإدارة المصالح السياسية المتضاربة، والاستجابة لتطلعات الشعب، وترجمة السلطة السياسية إلى حكم فعال.
في الوقت نفسه، يحمل منصبها دلالة اجتماعية أوسع. فوجودها على رأس الحكومة يتحدى الافتراضات الراسخة حول من يمكنه شغل مناصب السلطة السياسية، وربما يوسع آفاق الوعي السياسي لدى الأجيال الشابة من النساء المغربيات.
لذا، فإن السؤال الأهم ليس ببساطة ما إذا كان بإمكان المرأة قيادة حكومة. فقد أجاب المغرب على هذا السؤال من خلال الممارسة السياسية.
والسؤال الأكثر أهمية هو ما إذا كان هذا التعيين سيصبح جزءًا من تحول دائم في الطريقة التي يتم بها فهم القيادة السياسية ومشاركة المرأة والسلطة الاجتماعية في المغرب وعبر العالم العربي.
إن هذا التحول، إن حدث، لن يُقاس بالتعيين وحده، بل سيُقاس بما يليه: السياسات المعتمدة، والمؤسسات التي تم تعزيزها، والفرص التي تم خلقها، ومشاركة النساء الأخريات، ومدى تحول القيادة النسائية إلى سمة عادية في الحياة السياسية بدلاً من كونها حدثاً استثنائياً.
بهذا المعنى،, قد لا يمثل تعيين فاطمة الزهراء المنصوري نهاية النقاش حول المرأة والسياسة العربية، بل بداية مرحلة جديدة وأكثر عملية منه.